فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 182

هذا الضلال، طبقوا صور الذهن على الواقع، وفهموا أن تعدد العلاقات أو الأحوال، أو الصفات ينتج عنه تعدد الذات، مع أن الواقع المحس يكذبهم في ذلك التصور الزائف المخادع، وذلك التصوير الكاذب، لهذا كان لابد من معرفة الله عن طريق الذهن، لا عن طريق العقل وحده، فإنا إذا تتبعنا جميع أطوار الفكر الإنساني وتصوره لله، رأيناه أحيانًا يصف الله بما لم تصفه به الأديان، من مثل العشق والعاشق والمعشوق، أو اللذة واللاذ والملتذ، أو العقل والعاقل والمعقول، أو يجرده من صفات أثبتتها الأديان جميعها لله، فيجرده الفكر الإنساني من كل صفة أحيانًا، أو يصفه ببعض صفات يحسب أنها لا توهم التعدد، وكان أن نفي العقل عن الله صفة أنه خالق.

نفي العقل عن الله أنه خالق:

نعم نفي العقل البشري في ضلاله عن الله صفة أنه خالق، فكل شيء صادر عن الله بالوجوب، لا بالاختيار، وما من شيء خلق من لا شيء، فالمادة لهذا قديمة، أو كل شيء فاض عن الله فيضان النور، فلا يوصف الله بأنه خالق لأن الخلق يتطلب حركة ومحركًا، وانتقالًا، والله غير متحرك، ولا منتقل، ولا يوصف بالحركة، كل هذا التصور الفاسد والتصوير الباطل لأنهم يرون ذلك في الوجود المادي المحس، والواقع الملموس، فكأنهم قاسوا الله على ما تنقله إليهم الحواس، من صور المشاهد الواقع من الوجود المادي، ومع ذلك يقولون: إنهم يفهمون الله عن طريق العقل.

صفة الوجود:

ونفى العقل الضال أيضًا عن غير الله صفة الوجود، وجعلوا من مفهوم الوجود مفهوم الله، والله غير متعدد، وتبعًا له كذلك الوجود يكون غير متعدد، ولكن الأديان على إطلاقها تقرر وجود الله، ووجود غير الله، فتعترف بثنائية الوجود، ولكنها تفرق بين وجود الله ووجود غيره، فوجود الله لذاته وغير مسبوق بشيء، وأول لا مبدأ له، وآخر لا نهاية له: أما وجود غيره، فوجود يسبقه العدم، ويطويه الفناء، ومحتاج إلى من يوجده.

الوحدة والوجود:

اتفقت الفلسفة مع الصوفية على أن الوجود واحد، فلا يوصف غير الله بالوجود، واتفقت معها أيضًا على أن الله واحد بصفة مطلقة، أو بمعنى أدق على أن ذلك الوجود المطلق، واحد حسب ما قدمناه من معاني الوحدة عندهم، ولكن المشاهد أنه يوجد عالم مُحَسٌّ.

فكيف صدر هذا العالم عن الله؟ كيف صدر المتعدد عن الواحد؟ الكثير عن الوحدة؟ المتغير عن غير المتغير؟ كان لابد للفلسفة أن تتحايل تحايلًا ممزقًا متهافتًا حتى تصور صدور المتعدد عن الواحد، فقالت الفلسفة: إذا كان شيء يمكن أن يكون من الواحد وغير المتغير، فذلك الشيء الوحيد الذي يمكن أن يخرج عنه مباشرة هو كائن ثان، واحد، وغير متغير [1] ، والواحد غير المتغير، لا يمكن أن يكون منه العالم المتغير من غير واسطة وبعد زمن لا عمل

(1) انظر في إعجاب وإكبار رد ابن تيمية على أسطورة الفلسفة «الواحد لا يصدر عنه إلا واحد» ، وذلك في منهاج السنة (1/ 111) ، ومجموعة الرسائل الكبرى (ص 365) الجزء الأول لتؤمن بأن شيخ الإسلام ابن تيمية كان ذا عقلية فلسفية ناضجة تمام النضج وعلى أنه استوعب بعقله الجبار كل نظريات الفلسفة ثم رد على باطلها ردودًا عقلية محكمة ودينية رشيدة رضي الله عن شيخ الإسلام وأرضاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت