فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 182

أما الصوفية فيثبتون للإله كل شيء، ولا ينفون عنه شيئًا؛ إذ لا «غير» حتى تنفي عنه صفات هذا «الغير» ، ولا «سوى» حتى تسلب عنه صفاته، وإنما الإله عندهم هو كل «شيء» ، والموجودات كلها - على تباينها، ماديها وروحيها - مقومات لوجوده، مفتقرًا إليها لظهوره لنفسه كما يقول ابن عربي:

«فما وصفناه بوصف إلا كنا نحن - يريد العالم - ذلك الوصف فوجودنا وجوده، ونحن مفتقرون إليه من حيث وجودنا، وهو مفتقر إلينا من حيث ظهوره لنفسه» [1] .

وكلمة التوحيد عندهم - هو الله - فهو إشارة إلى «هُوِيَّةِ» الذات، أي باطنها قبل أن تتعين في صورة، و «الله» إشارة إلى «إنِّيَّةِ» الذات؛ أي إلى ظاهرها باعتبارها وجودًا قائمًا في تعينات مادية، أما «لا إله إلا الله» فلا تؤدي عندهم إلى حقيقة التوحيد المحض [2] ، وإذا أقروا بلا إله فسروها بقولهم: «لا موجود إلا الله» ليتفق هذا مع ما يدينون به من وحدة الوجود.

وإله الصوفية كان وجودًا مطلقًا محضًا، لا يظهر لنفسه، ولا يسمى، ولا يوصف؛ لأن الاسم والصفة «قَيْدٌ» للوجود، فلا يكون «مطلقًا» ، وهذا تناقض [3] . ولذا يطلقون على الإله وهو وجود مطلق «العَمَاء» أي حيث كانت ذات الإله في بساطتها، وتجردها عن جميع الأسماء والصفات، والنسب والإضافات، ثم تنتقل الذات من البساطة والتجرد إلى التعيين في مرتبة بعد مرتبة، وأولى هذه المراتب «الأحدية» وهي مجلى من مجالى الذات ليس للأسماء ولا للصفات، ولا لشيء من مؤثراتها ظهور فيه. الثانية «الواحدية» ، وهي مجلى ظهور الذات فيها صفةٌ، والصفة فيها ذاتٌ، الثالثة «الرحمانية» وهي الظهور بحقائق الأسماء والصفات، وهناك مرتبة الهوية، ومرتبة الإنية، وغير ذلك، غير أني أناشدك الله إلا ما قرأت هذه الآية: {إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون} ، ولا فرق عند الصوفية بين من نسميه «الخالق» وبين من نسميهم «الخلق» إلا بالاعتبار؛ إذ الخالق هو الذات الإلهية باعتبار «هويتها» أي باطنها، والخلق هم الذات الإلهية باعتبار «إنيتها» أي ظاهرها، وهم لا يصفون الإله بكونه «خالقًا» ؛

(1) كتاب دعوة الحق (ص 31 - 37) بتصرف.

(2) الحقيقة هم لا يرضون بكلمة التوحيد وإنما نعبر بها هنا للتوضيح، وذلك لأن ابن مشيش يقول في صلواته: «اللهم انشلني من أوحال التوحيد، وأغرقني في عين بحر الوحدة، وزج بي في بحار الأحدية» .

(3) نعت الوجود «بالإطلاق» تقييد في حقيقة للوجود بكونه «مطلقًا» ، وهذا يخالف حقيقة التجريد الذي يكدح الصوفية في سبيل إثباته للإله قبل التعين الأول. ولقد أدرك النابلسي هذا التناقض فقرر في شرحه للصلاة الفيضية: أن الوجود منزه حتى عن الإطلاق، ولكنا نقول للنابلسي: إن هذا أيضًا تقييد للوجود؛ لأنه وصف بالسلب، والوصف بالسلب فيه تعيين للموصوف، فما زال هذا التناقض موجودًا رغم سفسطة النابلسي، ثم ما هذا الوجود الذي لا يسمى ولا يوصف؟ إنه أشبه بالعدم، بل امتناع العدم أقل من امتناع هذا الوجود المطلق. فهو على الأقل يسمى في حال «امتناعه» بالعدم، ثم أليس الوصف «بالوجود المطلق» تعيين صفة واسم لهذا الموصوف المسمى. فكيف لا يوصف ولا يسمى؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت