ولا ريب أن البخاري لم يقل: إن لفظي بالقرآن مخلوق البتة [1] . وهو ظاهر لمن تأمل كتاب البخاري خلق أفعال العباد. [2]
الوجه السابع: أن المشهور عن السلفيين على مر القرون: المنع من مقولة: (لفظي بالقرآن مخلوق) دون تفصيل، وأحيانا مع الإشارة إلى صحة المعنى وفساد اللفظ من عصر أحمد والبخاري ومن بعدهما من الأئمة ينسجون اعتقاداتهم على هذا المنوال [3] .
قال العلامة ابن تيمية [4] : (ومن قال: لفظي بالقرآن غير مخلوق، أو تلاوتي دخل في ذلك المصدر الذي هو علمه، وأفعال العباد مخلوقة، ولو قال: أردت به أن القرآن المتلو غير مخلوق، لا نفس حركاتي قيل له: لفظك هذا بدعة، وفيه إجمال وإيهام، وإن كان مقصودك صحيحًا كما يقال للأول إذا قال: أردت أن فعلي مخلوق: لفظك أيضًا بدعة، وفيه إجمال وإيهام وإن كان مقصودك صحيحًا؛ فلهذا منع أئمة السنة الكبار إطلاق هذا وهذا) ، وهو قول تلميذه ابن القيم، وهو مذهب أكثر المعاصرين [5] .
(1) قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: (12/ 364) : (افترى بعض الناس على البخاري الإمام صاحب"الصحيح"أنه كان يقول: لفظي بالقرآن مخلوق وجعلوه من"اللفظية"حتى وقع بينه وبين أصحابه: مثل محمد بن يحيى الذهلي وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم بسبب ذلك وكان في القضية أهواء وظنون حتى صنف"كتاب خلق الأفعال")
(2) خلق أفعال العباد: (48)
(3) كالترمذي والطبري في صريح السنة: (26) ، البربهاري في شرح السنة: (95) ، الآجري في الشريعة: (1/ 531) ، ابن شاهين في شرح مذاهب أهل السنة: (32) ، ابن بطة في الإبانة الكبرى: (5/ 330) ، اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (1/ 200) ، الجويني الأب في رسالة في إثبات الاستواء: (78) ، السجزي في رسالة إلى أهل زبيد: (22) ، أبي عمرو الداني في الرسالة الوافية: (157) ، قوام السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة: (1/ 420) ، النووي في جزء فيه ذكر اعتقاد السلف: (26) .
(4) الدرء (1/ 265)
(5) اللجنة الدائمة برئاسة الشيخ ابن باز في الفتاوى المجموعة الثانية (3/ 17) : (فالواجب ترك هذا اللفظ المجمل، وأن يعتني المتكلم بالتفصيل، حتى لا يقع فيما وقع فيه أهل البدع.) وهو ظاهر كلام أحمد شاكر في مقدمة تحقيقه للمسند؛ إذ قال (1/ 88) : (قلت: الملفوظ كلام الله، وهو غير مخلوق، والتلفظ مخلوق، لأن التلفظ من كسب القارئ، وهو الحركة والصوت وإخراج الحروف، فإن ذلك مما أحدثه القارئ، ولم يحدث حروف القرآن ولا معانيه، إنما أحدثَ نطقه به، فاللفظ قدر مشترك بين هذا وهذا، ولذلك لم يجَوِّز الإمام أحمد"لفظي بالقرآن مخلوق"ولا"غير مخلوق"إذ كل واحد من الإطلاقين موهِم. والله أعلم.) وقال الشيخ ابن باز في فتاوى نور على الدرب (1/ 153) : (ولكن إذا قال: لفظي بالقرآن مخلوق؛ هذا فيه احتمال، ولهذا رأى الأئمة ترك ذلك، وإذا أراد صوته فصوته مخلوق، أما إذا أراد لفظي يعني ملفوظي. والذي يتكلم به هو القرآن، هذا غلط، ولهذا كره بعض أهل العلم من يقول: هذا الكلام؛ لأنه يوهم) وقال الشيخ ابن جبرين في اعتقاد أهل السنة (6/ 12) : (ثم جاءتنا -أيضًا- عبارة قد ترِد في بعض كلامهم، وهي قولهم: لفظي بالقرآن مخلوق. وهذه العبارة محتملة، فلأجل ذلك نهى عنها السلف رحمهم الله، وشددوا في النهي عن استعمالها، وبدعوا من يقول: لفظي بالقرآن مخلوق.) .وقال الشيخ الغنيمان في شرح العقيدة الواسطية (6/ 18) : (فلما كان الأمر محتملًا لما هو حق ولما هو باطل منع الإطلاق على أنه مخلوق أو غير مخلوق؛ لأنه على أي وجه قاله فإنه يحتمل الخطأ) .وقال الشيخ عبدالكريم الخضير في شرح المنظومة الحائية لابن أبي داود (2/ 8) : (وعلى كل حال وعلى الاحتمالين اللفظ ممنوع) .وهو قول الشيخ الراجحي في شرح عقيدة السلف وأصحاب الحديث (69 - 71) وغيرهم.