والصواب-والله أعلم- أن هذا القول بدعة، وهو ظاهر كلام أحمد في بعض أقواله، وهو مذهب طائفة من أهل العلم، فعن عبد الله بن أحمد بن حنبل، يقول: سمعت أبي يقول: (من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن، فهو كافر.) قال البيهقي [1] : (قلت: هذا تقييد حفظه عنه ابنه عبد الله وهو قوله: «يريد به القرآن» فقد غفل عنه غيره ممن حكى عنه في اللفظ خلاف ما حكينا حتى نسب إليه ما تبرأ منه فيما ذكرنا) .
ولهذا قال البربهاري في شرح السنة [2] : (واعلم أن من قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو مبتدع، ومن سكت فلم يقل: مخلوق ولا غير مخلوق، فهو جهمي. هكذا قال أحمد بن حنبل)
وقال ابن تيمية [3] : (ولهذا قال أحمد في بعض كلامه: من قال لفظي بالقرآن مخلوق يريد به القرآن فهو جهمي احترازًا عما إذا أراد به فعله وصوته.) يعني: أنه ليس جهميًا، لكن يبقى المنع منه؛ لظهور المعنى الباطل.
الوجه الخامس: أن هذه المسألة قد نازع فيها بعض المتقدمين نزاعا ضعيفا كحسين الكرابيسي، وداود بن علي الأصبهاني؛ فهي ليست من مسائل إجماع (الجيل الرابع) حتى يصح للمؤلفين أنه مثل هذه الإجماعات قد استقر قول السلف على خلافها، وغايته انتشار أحد قولي السلف عند المتأخرين، فإن كان أحمد ومن وافقه -وهم جمهور العلماء- أصابوا فلا سبيل عليهم، وإن كانوا أخطئوا فإن خطأهم عن اجتهاد لا يتجاوز بهم إلى البدعة باتفاق.
الوجه السادس: لم يحددا لنا أي السلفيين الذين استقر قولهم على عدم تبديع من قال: (لفظي بالقرآن مخلوق) مع صحة القصد، وأظنهما يقصدان العلامة الألباني، وأن قوله يعد استقرارًا. فهذا باطل؛ إذ الألباني يميل في أكثر أجوبته إلى التوقف، وبعضها كأنه يجوز ذلك، وقد أخطأ في نسبة جواز هذا اللفظ للبخاري غير واحد، وفرقٌ بين لفظي وصوتي،
(1) الأسماء والصفات (2/ 20)
(3) الدرء (1/ 265) .