الصفحة 31 من 89

فنلاحظ أنهما يقرران بطلان قاعدة منع التأويل في الصفات، ثم قالا في هامش (37) : (وهذا الأصل طالما فهم خطأ سواء من المنتسبين إلى السلفية أو من خالفهم؛ فإن محرري العقائد السلفية كابن تيمية لا يقصدون إبطال مطلق التأويل، بل يقول ابن تيمية"وقد تقدم أنا لا نذم كل ما يسمى تأويلا مما فيه كفاية نذم تحريف الكلم عن مواضعه ومخالفة الكتاب والسنة والقول في القرآن بالرأي .... ويجوز باتفاق المسلمين أن تفسر إحدى الآيتين بظاهر الأخرى ويصرف الكلام عن ظاهره؛ إذ لا محذور في ذلك عند أحد من أهل السنة وإن سمي تأويلا وصرفا عن الظاهر فذلك لدلالة القرآن عليه ولموافقة السنة والسلف عليه؛ لأنه تفسير القرآن بالقرآن؛ ليس تفسيرا له بالرأي. والمحذور إنما هو صرف القرآن عن فحواه بغير دلالة من الله ورسوله والسابقين) ."

والجواب من وجوه:

الوجه الأول: أنه لو قدِّر أن العلامة ابن تيمية خالف في هذه القاعدة، فكلامه باطل مخالف لأقوال السلف في وجوب إمرار آيات الصفات على ظاهرها من غير تكييف ولا تشبيه، بل هو مقتضى الخطاب العربي بإجرائه على ظواهره إلا بدليل [1] .

(1) قال أبو داود في المراسيل (112) : (قَالَ: سَأَلْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قُلْتُ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أُرِيدُ أَسْأَلُكَ، قَالَ: لَا تَسْأَلْ، قُلْتُ: إِذَا لَمْ أَسْأَلُكَ فَمَنْ أَسْأَلُ، قَالَ: سَلْ قُلْتُ مَا تَقُولُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي رُوِيَتْ نَحْوَ: الْقُلُوبُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ، وَأَنَّ اللَّهَ يَضْحَكُ أَوَ يَعْجَبُ مِمَّنْ يَذْكُرُهُ فِي الْأَسْوَاقِ، فَقَالَ: «أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلَا كَيْفٍ» ) و (قَالَ أَبُو مُوسَى عِيسَى بْنُ أَبَانَ(ت:221) فِي كِتَابِهِ الْحُجَجِ الصَّغِيرِ:"لَا يُقْبَلُ خَبَرٌ خَاصٌّ فِي رَدِّ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ ظَاهِرَ الْمَعْنَى أَنْ يَصِيرَ خَاصًّا أَوْ مَنْسُوخًا حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ مَجِيئًا ظَاهِرًا يَعْرِفُهُ النَّاسُ وَيَعْلَمُونَ بِهِ مِثْلُ مَا جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ"لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ""وَلَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا"، فَإِذَا جَاءَ هَذَا الْمَجِيءَ فَهُوَ مَقْبُولٌ؛ لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يَكُونُ وَهْمًا، وَأَمَّا إذَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَدِيثٌ خَاصٌّ وَكَانَ ظَاهِرُ مَعْنَاهُ بَيَانَ السُّنَنِ وَالْأَحْكَامِ أَوْ كَانَ يَنْقُضُ سُنَّةً مُجْمَعًا عَلَيْهَا أَوْ يُخَالِفُ شَيْئًا مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ فَكَانَ لِلْحَدِيثِ وَجْهٌ وَمَعْنًى يُحْمَلُ عَلَيْهِ لَا يُخَالِفُ ذَلِكَ حُمِلَ مَعْنَاهُ عَلَى أَحْسَنِ وُجُوهِهِ وَأَشْبَهِهِ بِالسُّنَنِ وَأَوْفَقِهِ لِظَاهِرِ الْقُرْآنِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعْنًى يَحْمِلُ ذَلِكَ فَهُوَ شَاذٌّ.) من الفصول للجصاص (1/ 156) .وقال أحمد في مسائله برواية ابنه أبي الفضل صالح (2/ 100) : (إِذا كَانَت لِلْآيَةِ ظَاهر ينظر مَا عملت السّنة فَهُوَ الدَّلِيل على ظَاهرهَا وَمِنْه قَول الله تَعَالَى:"يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم"فَلَو كَانَت على ظَاهرهَا لزم من قَالَ بِالظَّاهِرِ أَن يُورث كل من وَقع عَلَيْهِ اسْم ولد وَإِن كَانَ قَاتلا أَو يَهُودِيّا أَو نَصْرَانِيّا أَو مجوسيا أَو عبدا، فَلَمَّا قَالَ رَسُول الله-صلى الله عَلَيْهِ وَسلم- لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر وَلَا الْكَافِر الْمُسلم كَانَ ذَلِك معنى الْآيَة) .وقال الترمذي في سننه (2/ 43) : (وَقَدْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ فِي هَذَا الحَدِيثِ وَمَا يُشْبِهُ هَذَا مِنَ الرِّوَايَاتِ مِنَ الصِّفَاتِ: وَنُزُولِ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، قَالُوا: قَدْ تَثْبُتُ الرِّوَايَاتُ فِي هَذَا وَيُؤْمَنُ بِهَا وَلاَ يُتَوَهَّمُ وَلاَ يُقَالُ: كَيْفَ؟ هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، وَعَبْدِ اللهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ: أَمِرُّوهَا بِلاَ كَيْفٍ، وَهَكَذَا قَوْلُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ، وَأَمَّا الجَهْمِيَّةُ فَأَنْكَرَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَقَالُوا: هَذَا تَشْبِيهٌ. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابهِ اليَدَ وَالسَّمْعَ وَالبَصَرَ، فَتَأَوَّلَتِ الجَهْمِيَّةُ هَذِهِ الآيَاتِ فَفَسَّرُوهَا عَلَى غَيْرِ مَا فَسَّرَ أَهْلُ العِلْمِ، وَقَالُوا: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَخْلُقْ آدَمَ بِيَدِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ مَعْنَى اليَدِ هَاهُنَا القُوَّةُ. وقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: إِنَّمَا يَكُونُ التَّشْبِيهُ إِذَا قَالَ: يَدٌ كَيَدٍ، أَوْ مِثْلُ يَدٍ، أَوْ سَمْعٌ كَسَمْعٍ، أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَإِذَا قَالَ: سَمْعٌ كَسَمْعٍ، أَوْ مِثْلُ سَمْعٍ، فَهَذَا التَّشْبِيهُ. وَأَمَّا إِذَا قَالَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَدٌ، وَسَمْعٌ، وَبَصَرٌ، وَلاَ يَقُولُ كَيْفَ، وَلاَ يَقُولُ مِثْلُ سَمْعٍ، وَلاَ كَسَمْعٍ، فَهَذَا لاَ يَكُونُ تَشْبِيهًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابهِ:"لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ". وفي علل الحديث لابن أبي حاتم(5/ 465) : (سألتُ أَبِي عَنْ تَفْسِيرِ حَدِيثٍ النبيِّ-صلى الله عليه وسلم-: الرَّحِمُ شُجْنَةٌ مِنَ الرَّحْمَنِ، وَإِنَّهَا آخِذَةٌ بِحَقْوِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ: قَالَ الزُّهْريُّ: عَلَى رسولِ الله-صلى الله عليه وسلم-البلاغُ، ومِنَّا التَّسليمُ؛ قَالَ: أَمِرُّوا حديثَ رسولِ اللَّهِ-صلى الله عليه وسلم-على ما جاءتْ. وحُدِّثتُ عَنْ مُعْتَمِر بْن سُلَيمان، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: كانوا يَكْرَهُونَ تفسيرَ حديثِ رسولِ الله بآرائهم، كما يَكْرَهُونَ تفسيرَ القرآنِ برأيهم. وقال الهَيْثَم بْن خَارِجة: سمعتُ الوليدَ ابنَ مُسْلِم يَقُولُ: سألتُ الأوزاعيَّ، وسُفْيانَ الثَّوريَّ، ومالكَ بنَ أَنَس، واللَّيثَ بنَ سعدٍ؛ عَنْ هذه الأحاديثِ التي فيها الصفةُ والرُّؤيةُ والقرآنُ؟ فَقَالَ: أَمِرُّوها كما جاءتْ بلا كَيْفٍ) .وقال ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (316) : (وَلَكنَّا نُسَلِّمُ لِلْحَدِيثِ، وَنَحْمِلُ الْكِتَابَ عَلَى ظَاهره) وقال الدارمي في الرد على الجهمية (65) : (فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَبَاطِنُهُ يَدُلُّ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنْ ذَلِكَ، نَسْتَغْنِي فِيهِ بِالتَّنْزِيلِ عَنِ التَّفْسِيرِ، وَيَعْرِفُهُ الْعَامَّةُ، وَالْخَاصَّةُ، فَلَيْسَ مِنْهُ لِمُتَأَوِّلٍ تَأَوُّلٌ، إِلَّا لِمُكَذِّبٍ بِهِ فِي نَفْسِهِ، مُسْتَتِرٍ بِالتَّأْوِيلِ.) وقال في الرد على المريسي (2/ 856) : (ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَجَمِيعُ أَلْفَاظِ الرِّوَايَاتِ تُصْرَفُ مَعَانِيهَا إِلَى الْعُمُومِ، حَتَّى يَأْتِيَ مُتَأَوِّلٌ بِبُرْهَانٍ بَيِّنٍ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا الْخُصُوصُ) . وهذا ليس خاصا بآيات الصفات، وإنما أفردت لكثرة نزاع المبتدعة حولها، وإلا فإن الأصل حمل الخاطب على ظاهره، قال الشافعي في الرسالة (1/ 341) : (فكل كلام كان عامًا ظاهرًا في سنة رسول الله فهو على ظهوره وعمومه، حتى يُعْلَمَ حديثٌ ثابِتٌ عن رسول الله - بأبي هو وأمي - يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعضُ الجملة دون بعض، كما وصفتُ من هذا وما كان في مثل معناه.) وقال الكناني في الحيدة (55) : (فمنها خبر مخرجه مخرج الخصوص ومعناه معنى الخصوص، ومنها خبر مخرجه مخرج العموم ومعناه معنى العموم، فهذان خبران محكمان لا ينصرفان بإلحاد ملحد) ومراده هنا العموم المحفوظ الذي لم يرد دليل على تخصيصه، ثم بين أن صرف العموم عن ظاهره يحتاج إلى دليل شرعي فقال (56) : (فإذا أنزل الله تبارك وتعالى خبرا مخرج لفظه خاص ومعناه عام، أو خبرا مخرج لفظه عام ومعناه خاص لم يدعه إشكالا على خلقه حتى يجعل أحد بيانين، إما أن يستثني من الجملة شيئا يكون بيانا للناس جميعا، أو يقدم قبله خبرا خاصا) . وقال ابن المنذر في الأوسط (1/ 143) : (وَالْأَخْبَارُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا عَلَى الْعُمُومِ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ إِلَى بَاطِنِهِ وَلَا عَنْ عُمُومِهِ إِلَى خُصُوصِهِ إِلَّا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ إِجْمَاعٍ) وقال الطحاوي في أحكام القرآن (1/ 64) : (وَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ اسْتِعْمَالَ ظَاهِرِهِ، وَإِنْ كَانَ بَاطِنُهُ قَدْ يَحْتَمِلُ خِلَافَ ذَلِكَ، لِأَنَّا إِنَّمَا خُوطِبْنَا لِيُبَيِّنَ لَنَا، وَلَمْ نُخَاطَبْ بِهِ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ النَّاسِ قَدْ خَالَفَنَا فِي هَذَا، وَذَهَبَ إِلَى أَنَّ الظَّاهِرَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بِأَوْلَى بِهِ مِنَ الْبَاطِنِ فَإِنَّ الْقَوْلَ عَنْدَنَا فِي ذَلِكَ مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ لِلَّدَلائِلِ الَّتِي قَدْ رَأَيْنَاهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ وَتُوجِبُ الْعَمَلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت