والنقولات عن السلف كثيرة؛ ولهذا قال الخطابي [1] : (مذهب علماء السلف وأئمة الفقهاء أن يجروا مثل هذه الأحاديث على ظاهرها وأن لا يزيغوا لها المعاني ولا يتأولوها لعلمهم بقصور علمهم عن دركها.) .
قلت: وهذا ظاهر مستفيض عن أهل السنة قولا وعملا، مع أن أكثر الفرق الإسلامية توافقهم على هذا الأصل في الجملة كالكلابية والأشعرية والمعتزلة [2] .
وقد حكى غير واحد الإجماع على وجوب العمل بالظاهر، قال سيف الدين الآمدي الأشعري في معرض رده على الباطنية [3] : (قلنا: فيلزمهم على هذا أن لا تكون الظواهر من الكتاب، والسنة أيضا حججا في الشريعة، وهو خلاف إجماع المسلمين) .
وهذا الإجماع صحيح كما ترى، وإنما خالف بعض المرجئة خلافا حادثا بعد القرون المفضلة؛ فأنكروا صيغ العموم كما سيأتي بسطه إن شاء الله.
والمقصود أن السلف ومن وافقهم من عامة المتكلمين يجرون النصوص على ظواهرها إلا بدليل، والمعتزلة ومتأخروا الأشاعرة وغيرهم يجعلون العقل من المخصِصات لظواهر النصوص لاسيما المعتزلة الذين يتوسعون في ذلك توسعا كبيرا؛ ولهذا صرفوا مئات النصوص في الصفات عن ظواهرها بمخصص العقل، وهؤلاء ظنوا بالله وبكتابه ظن السوء؛
(1) في معالم السنن (4/ 331)
(2) قال الحارث المحاسبي الكلابي في فهم القرآن (347) : (فَإِذا تَلَوت مَا يكون كَأَنَّهُ نسخ أَو خلاف الظَّاهِر فَاعْلَم أَن ذَلِك لَيْسَ بنسخ وَلَا بمضاد) .وقال الأشعري في الإبانة (139) : (وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة، كذلك قوله تعالى:(لما خلقت بيدي) من الآية على ظاهره أو حقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة. ولو جاز ذلك لجاز لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم فهو على الخصوص، وما ظاهره الخصوص فهو على العموم بغير حجة، وإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان لم يجز لكم ما ادعيتموه أنه مجاز أن يكون مجازا بغير حجة، بل واجب أن يكون قوله تعالى: (لما خلقت بيدي) من الآية إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة غير نعمتين إذا كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي، وهو يعني النعمتين). وهو مذهبِ المعتزلة، قال أبو الحسن في مقالات الإسلاميين (276) : (وأجمعت المعتزلة القائلون بالوعيد أن الأخبار إذا جاءت من عند الله ومخرجها عام كقوله: وإن الفجار لفي جحيم ومن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره فليس بجائز إلا أن تكون عامة في جميع أهل الصنف الذي جاء فيهم الخبر من مستحليهم ومحرميهم، وزعموا جميعًا أنه لا يجوز أن يكون الخبر خاصًا أو مستثنى منه والخبر ظاهر الإخبار والاستثناء والخصوصية ليسا بظاهرين، وليس يجوز عندهم أن يكون الخبر خاصًا وقد جاء مجيئًا عامًا إلا ومع الخبر ما يخصصه أو تكون خصوصيته في العقل) .
(3) أبكار الأفكار: (5/ 230) :