إذ جعلوا ظواهر القرآن تدل على الكفر والنقص والضلال لا على الإيمان والهدى والكمال.
الوجه الثاني: أن هذا النقل معارضٌ بنقولٍ أخرى عن ابن تيمية أوضح وأصرح وأكثر: تدل على أن العمل بالظاهر في آيات الصفات أصل من أصول أهل السنة.
قال ابن تيمية [1] : (مذهب"أهل الحديث"وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف: أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت ويؤمن بها وتصدق وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل وتكييف يفضي إلى تمثيل. وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف - منهم الخطابي - مذهب السلف: أنها تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها) .
الوجه الثالث: أن المراد هو الجمع بين الظاهرين المتعارضين في الظاهر، وهو موافق لقاعدة إجراء النصوص على ظواهرها؛ لأنه لا يخلو عند تقدير التعارض بين الظاهرين، إما أن يعمل بالظاهرين معا أو لا يعمل بهما، أو يعمل بأحدهما، والثاني والثالث: منافيان للقاعدة من كل وجه، فلم يبق إلا الأول، أو يقال: إن صرف ظاهر النص من بعض الوجوه؛ للجمع بينهما أشبه بالقاعدة من صرف ظاهر نص من كل وجه.
الوجه الرابع: أن تفسير النص الظاهر بالأظهر، والمتشابه بالمحكم .. هو مقتضى قاعدة العمل بالظاهر، فكيف يكون مخالفا لها؟؛ يوضح ذلك أن الظهور متفاوت، وعند تقدير التعارض، فينبغي تقديم أقواهما ظهورا وهو أشبه بالقاعدة من تقديم الأخفى أو التوقف.
الوجه الخامس: أن المؤلفين زعما أن السلفيين المعاصرين لا يفسرون النصوص بعضها ببعض إن احتاجوا إلى ذلك، ولم يذكرا ما يؤيد زعمهم هذا، والمثبت مطالب بالدليل باتفاق، وما ظنوه من أن قاعدة العمل بظواهر النصوص تتنافى مع ذلك، ظن كاذب وقد بُيِّن بطلانها.
الوجه السادس: أن السلف المعاصرين-فيما أعلم- يقرِّرون أن أحد الظاهرين يفسر الآخر عند تقدير التعارض سواء سموه تأويلا أو لم يسموه [2] .
(1) مجموع الفتاوى (6/ 355)
(2) قال ناصر العقل في شرح الطحاوية: (2/ 22) : (فالنصوص لا بد من أن يرد بعضها إلى بعض ويفسر بعضها ببعض) .
وقال الغنيمان في شرح فتح المجيد (1/ 3) : (ومعلوم أن النصوص يجب أن يؤخذ بظاهرها إلا إذا جاءت نصوص أخرى تخالفها؛ لأن النصوص من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم لا تتعارض، بل يصدق بعضها بعضًا) .
وقال صالح آل الشيخ في إتحاف السائل بما في الطحاوية من مسائل (439) : (في حديث"يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة"فُهِمْ من العموم أنَّ هذا يعارض كون صاحب الكبيرة تحت المشيئة إذا مات غير تائب، وهذا غير وارد لأنَّ النصوص يُصَدِّقُ بعضها بعضًا، والآيات يفسر بعضها بعضًا) .