فلاحظ أن كلمة (إعادة القراءة) أسلوب مهذب على أن ابن تيمية أتى بتقريرات تخالف مذهب السلف أحيانا، وذكرا مثالين على ذلك:
أحدهما: هجر المبتدع؛ إذ قرر ابن تيمية هجر المبتدع حسب المصلحة الراجحة، بينما قالا: (الواضح من نصوص أحمد وغيره من أهل الحديث الموجودة في كتبهم .. التشديد في معاملة المبتدع واعتماد هجره والتغليظ عليه في جميع الأحوال) ..
وهذه المزاعم تكثر في الكتاب، والجواب العام أنه لو قدر أن ابن تيمية خالف السلف فيُضرب بقوله عرض الحائط، ولو زعم ابن تيمية نسبة هذا إليهم-وكانت نسبته إليهم خطئا أو عمدا-فيُرد عليه، ويكشف ذلك، ويبين كما لو أخطأ أي إمام آخر، فيُرد قوله مع حفظ مقامه إن كانت له في الإسلام مقام راسخة، بل نحن بهذا الصنيع نوافق ابن تيمية في طريقته الفذة في إجلال السلف، ومن العجب أن يُظن أن مخالفة ابن تيمية للسلف دليل على بطلان اعتقاداتهم، وهذا من أعجب التقريرات؛ إذ لو ثبت هذا كان دليلا على بطلان اعتقاده هو، وهذا ما يشغب به بعض المتكلمين للنيل من ابن تيمية، وغاية ذلك-لو ثبت-هو البحث عن عذر لابن تيمية لحفظ مقامه .. وهذا على فرض التسليم الجدلي، وإلا فابن تيمية-نور الله ضريحه-لم يخطئ هنا.
أما مسألة هجر المبتدع والاستدلال على مخالفة ابن تيمية للسلف، فهذا باطل مردود عليهما؛ ويوضحه الآتي:
1 -مما يقضى منه العجب أنهما نقلا عن أحمد بن حنبل ما يدل على أن هجر المبتدع منوط بالمصلحة: (عن إسحاق أنه قال لأبي عبدالله: من قال القرآن مخلوق؟ قال: ألحق به كل بلية، قلت: فيظهر العداوة لهم أم يداريهم؟ قال: أهل خراسان لا يقوون بهم) .
قلت: ونقل هذا عن غير واحد من السلف اعتبارهم المصلحة في الهجر [1] .
(1) قال الخطيب البغدادي في الكفاية (129) : (قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ: «لَوْ تَرَكْتُ أَهْلَ الْبَصْرَةِ لِحَالِ الْقَدَرِ , وَلَوْ تَرَكْتُ أَهْلَ الْكُوفَةِ لِذَلِكَ الرَّأْيِ , يَعْنِي التَّشَيُّعَ , خَرِبَتِ الْكُتُبُ» قَوْلُهُ: خَرِبَتِ الْكُتُبُ , يَعْنِي لَذَهَبَ الْحَدِيثُ) ، وقال أبو بكر بن الخلال في السنة (4/ 54) : (قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: لَنَا أَقَارِبُ بِخُرَاسَانَ يَرَوْنَ الْإِرْجَاءَ، فَنَكْتُبُ إِلَى خُرَاسَانَ نُقْرِئُهُمُ السَّلَامَ؟ قَالَ:"سُبْحَانَ اللَّهِ لَمْ لَا تُقْرِئْهُمْ؟ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: فَنُكَلِّمُهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ دَاعِيًا وَيُخَاصِمُ فِيهِ")