2 -ومما يؤكد هذا أنه مع ما استفاض عن أهل الحديث من الأمر بهجر المبتدعة، وأهل الأهواء، وعدم مجالستهم .. ، فكثيرٌ منهم أجاز الرواية عنهم في الجملة، وهي مستلزمة لمطلق المجالسة وذلك للمصلحة وهو مذهب سفيان الثوري وابن أبي ليلى وأبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي وغيرهم سوى الخطابية، وهو مذهب أحمد وإسحق وابن حبان في غير الداعية [1] .
3 -لو قدِّر أنه لم ينقل عن السلف شيء من هذا، وإنما نقل عنهم هجر أهل البدع مطلقًا، فهذا لا يستلزم هجرهم إذا كان في هجرهم مفسدة راجحة؛ لأن الهجر من جنس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو منوط بالمصلحة؛ إذ بيان كون الشيء مفسدة ومحرم= لا يلزم أن يبقى كذلك إذا وجد معارض راجح، ولا يلزم ذكر المعارض الراجح إلا عند الحاجة كما لا يلزم ذكر استثناء الاضطرار لأكل الميتة حين نسأل عن أكل لحمها، وهذا يعود لأصل عظيم وهو فقه التزاحم أو التعارض.
وإنما غاية المؤلفين-عفا الله عنهما-من هذا المسلك تبرير مسلكهما التشكيكي في جواز مخالفة ما يسمى بالجيل الرابع كما يخالفهم ابن تيمية أحيانًا تحت ما يسمى بإعادة القراءة!
(1) وفي العلل ومعرفة الرجال لأحمد رواية المروذي وغيره (124) : (وَكَانَ أَبُو عبد الله يحدث عَن المرجئ: إِذا لم يكن دَاعِيَة أَو مخاصما.)
وقال المروزي في اختلاف الفقهاء (563) :(فقَالَ سُفْيَانُ: شهادات أَهْل الأهواء جائزة إِذَا كانوا عدولا وفيما سِوَى ذَلِكَ لَا يستحلون الشهادة فِي أهوائهم.
وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ، والشَّافِعِيّ قَالَ: إلا الخطابية فإن شهادتهم لَا تجوز هم صنف من الرافضة يشهد بعضهم لبعض بما ادعى.)
وقال ابن المنذر في الإشراف (4/ 282) : (وأجازت طائفة شهادة أهل الأهواء إذا لم يستحل الشاهد منهم شهادة الزور، هذا قول ابن أبي ليلى، والثوري، والشافعي، وكان سوار يقبل شهادة ناس من بني العنبر ممن يرى الاعتزال إذا كانوا عدولا.)
وقال الطحاوي في مختصر اختلاف العلماء (3/ 334) :(عَن أبي يُوسُف قَالَ حَدثنَا ابْن أبي ليلى أَن عِيسَى بن مُوسَى قَالَ لَهُ أتجيز شَهَادَة أهل الْأَهْوَاء قَالَ قلت نعم وأراهم لذَلِك أَهلا إِنَّمَا أدخلهم فِي الْهوى الدّين إِلَّا الخطابية فَإِن بَعضهم يقبل عين بعض فَيشْهد لَهُ فَلَا أُجِيز شَهَادَة هَؤُلَاءِ
وَسَأَلت أَبَا حنيفَة عَن ذَلِك فَقَالَ مثل ذَلِك وَقَالَ أَبُو يُوسُف مثل ذَلِك
وَقَالَ ابو يُوسُف لَا أقبل شَهَادَة من أظهر شتيمة أَصْحَاب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَن هَؤُلَاءِ مخانة).