الصفحة 58 من 89

ثم ألف بعده كتابه"تاريخ الرسل والملوك" [1] وهو الذي حصل فيه بعض المآخذ، وجعل في مقدمته بعض المواد الكلامية لاسيما دليل حدوث الأجسام الخاص بالمعتزلة، فقال في تاريخ الرسل والملوك (1/ 28) :(القول في الدلالة على أن الله عز وجل القديم الأول قبل شيء وأنه هو المحدث كل شيء بقدرته تعالى ذكره فمن الدلالة على ذلك أنه لا شيء في العالم مشاهد إلا جسم، أو قائم بجسم، وأنه لا جسم إلا مفترق، أو مجتمع، وأنه لا مفترق منه إلا وهو موهوم فيه الائتلاف إلى غيره من أشكاله، ولا مجتمع منه إلا وهو موهوم فيه الافتراق، وأنه متى عدم أحدهما عدم الآخر معه، وأنه إذا اجتمع الجزءان منه بعد الافتراق، فمعلوم أن اجتماعهما حادث فيهما بعد أن لم يكن، وأن الافتراق إذا حدث فيهما بعد الاجتماع، فمعلوم أن الافتراق فيهما حادث بعد أن لم يكن.

وإذا كان الأمر فيما في العالم من شيء كذلك، وكان حكم ما لم يشاهد وما هو من جنس ما شاهدنا في معنى جسم أو قائم بجسم، وكان ما لم يخل من الحدث لا شك أنه محدث بتأليف مؤلف له إن كان مجتمعا، وتفريق مفرق له إن كان مفترقا وكان معلوما بذلك أن جامع ذلك إن كان مجتمعا، ومفرقه إن كان مفترقا من لا يشبهه، ومن لا يجوز عليه الاجتماع والافتراق، وهو الواحد القادر الجامع بين المختلفات، الذي لا يشبهه شيء).

فقوله: (ما لم يخل من الحدث لا شك أنه محدث) مقدمة يستخدمها طوائف المتكلمين من المعتزلة والكلابية والأشعرية، ولم يستعملها السلف؛ لأنها باطلة، تسلَّط بسببها الفلاسفة على أهل الإسلام، قال ابن رشد الحفيد الفيلسوف في كتابه تهافت التهافت (151) : (ليست صحيحة، إلا ما لا يخلو عن حادث واحد بعينه، وأما ما لا يخلو عن حوادث هي واحدة بالجنس: ليس لها أول، فمن أين يلزم أن يكون الموضوع لها حادثا؟)

واعتراض ابن رشد صحيح؛ لأنه لا يمتنع أن يتعاقب على الذات الواحدة القديمة أعراضا لا أول لها، وإنما الممتنع ملازمة حادث معين لقديم ملازمة دائمة، وليس معناه صحة مذهب الفلاسفة؛ إذ هو كفر باتفاق المسلمين.

(1) قال في كتابه التاريخ (1/ 89) : (قد حكينا منها جملا في كتابنا المسمى: جامع البيان عن تأويل آي القرآن) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت