الله عَلَيْهِ وَسلم قلت فَإِن أصَاب الثَّوْب دم أَو عذرة فحكها قَالَ لَا يجْزِيه ذَلِك قلت من أَيْن اخْتلفَا قَالَ هما فِي الْقيَاس سَوَاء غير أَنه جَاءَ فِي المني أثر فأخذنا بِهِ).
وقال الطحاوي [1] : (فَهَذَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لَمْ يُوجِبْ فِي الدَّيْنِ زَكَاةً إِلا فِيمَا يُقْدَرُ عَلَى تَقَاضِيهِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ كَانَ فِيمَا لَا يُقْدَرُ عَلَى تَقَاضِيهِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ، وَبِهِ فَهِمَ وَإِنْ كَانُوا قَدْ تَرَكُوا الْقِيَاسَ فِيمَا ذَكَرْنَا فَقَدْ تَعَلَّقُوا بِقَوْلِ إِمَامٍ مِنَ الأَئِمَّةِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ أَيْضًا) .
وقد تنبه إلى هذا العلامة ابن تيمية في بعض المواضع؛ فقال [2] : (الْأَئِمَّةُ يَتْرُكُونَ الْقِيَاسَ لِمَا هُوَ دُونَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَرَكَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقِيَاسَ فِي مَسْأَلَةِ"الْقَهْقَهَةِ"بِحَدِيثِ مُرْسَلٍ لَا يُعْرَفُ مَنْ رَوَاهُ مِنْ الصَّحَابَةِ) .
وقال: ("مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ"مَعَ أَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُفْطِرُ؛ فَتَرَكَ الْقِيَاسَ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ تَطُولُ) .
وأما ما اشتهر عند الحنفية من أن رواية غير الفقيه غير مقبولة مطلقا بإزاء القياس فمذهب حادث فيما يبدو: أحدثه أبو زيد الدبوسي (ت:430) ثم نسج الأصوليون على منواله!
*أما حادثة إنكار الحنبلية على ابن جرير فهي من وقائع الأحوال التي يخفى كثير من ملابساتها عنا، والذي يبدو لي أن الإمام ابن جرير لم يكن في بداية أمره في الأسماء والصفات على بيّنة واضحة، فهو يقرر الصفات الخبرية الذاتية كالعلم والقدرة واليدين ونحوها من الصفات، وأم الصفات الفعلية كالمجيء والنزول والرضى والغضب ونظائر ذلك فيحكي الأقوال ولا يرجح حسب ما رأيت. [3] وإن كانت تقريراته في مسائل الإيمان والقدر وغيرها نفيسة موافقة لمذهب السلف.
(1) في أحكام القرآن (1/ 271)
(2) كما في مجموع الفتاوى (4/ 534) مجموع الفتاوى (4/ 534)
(3) وأذكر لك عدة نماذج:
الأول: يقول في تفسيره (4/ 265) : (ثم اختلف في صفة إتيان الرب تبارك وتعالى الذي ذكره في قوله:"هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله")
ثم ذكر أربعة أقوال، والقول الأول هو الموافق لمذهب السلف ولم يرجحه شيء.
الثاني: وقال في (1/ 188) : (واختُلِف في صفة الغضب من الله جلّ ذكره) ثم ذكر ثلاثة أقوال، والقول الأخير هو الأقرب لمذهب السلف؛ إذ قال:(وقال بعضهم: الغضب منه معنى مفهوم، كالذي يعرف من معاني الغضب، غير أنه -وإن كان كذلك من جهة الإثبات - فمخالف معناه منه معنى ما يكون من غضب الآدميين الذين يزعجهم ويحركهم ويشق عليهم ويؤذيهم.
لأن الله جل ثناؤه لا تحل ذاته الآفات، ولكنه له صفة، كما العلم له صفة، والقدرة له صفة، على ما يعقل من جهة الإثبات، وإن خالفت معاني ذلك معاني علوم العباد، التي هي معارف القلوب، وقواهم التي توجد مع وجود الأفعال وتعدم مع عدمها).
فنلاحظ عدة ملاحظات منها: أنه أثبت الغضب ونفى الحركة ونحوها؛ بحجة أنه لا تحل ذاته الآفات!
الثالث: وقال في (10/ 144) : (واختلف في معنى"الرضى"من الله جل وعز.) ثم ذكر قولين، الثاني منهما هو الموافق لمذهب السلف ومع هذا لم يرجح.
حسنا .. يبدو عدم جزمه بشيء في هذه المسائل الحاسمة، بل لما ذكر الاستواء-وهذا نموذج رابع-ذكر ثلاثة أقوال ثم قال في تفسيره (1/ 430) :(وأوْلى المعاني بقول الله جل ثناؤه:"ثم استوى إلى السماء فسوَّاهن"، علا عليهن وارتفع، فدبرهنّ بقدرته، وخلقهنّ سبع سموات.
والعجبُ ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله:"ثم استوى إلى السماء"، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع، هربًا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه -إذا تأوله بمعناه المفهم كذلك- أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها - إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر، ثم لم يَنْجُ مما هرَب منه! فيقال له: زعمت أن تأويل قوله"استوى"أقبلَ، أفكان مُدْبِرًا عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أنّ ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له: فكذلك فقُلْ: علا عليها علوّ مُلْك وسُلْطان، لا علوّ انتقال وزَوال. ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله) .
فنلاحظ أن ابن جرير فسّر الاستواء بالارتفاع والعلو ثم كأنه أوَّلها بالملك والسلطان، وهذا-إن كان يقصد نفي العلو الحسي-من جنس تأويل المعتزلة ومتأخري الأشاعرة، وهو مخالف لمذهب أهل السنة والكلابية ومتقدمي الأشاعرة من أن الله فوق عرشه حسا، وأن عرشه فوق سماواته كما هو مبثوث في كلامهم، وتفسير الاستواء بالعلو والارتفاع والاستقرار لا يلزم منه أنه كان تحت العرش فارتفع عليه كما أن نزوله إلى السماء الدنيا لا يلزم منه خلو عرشه منه؛ إذ الله ليس كمثل شيء: فيستطيع أن ينزل ويصعد ولا يخلو منه العرش، بل الملائكة كجبريل ينزل إلى الأرض بصورة بشر وما زال في السماء بصورته التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح، بل روح الإنسان وهو نائم تصعد إلى السماء كما قرر السلف ولم تزل متعلقة ببدنه؛ إذ لو فارقته لمات، بل الفيزيائيون يقررون أن النيترون ينتقل ولم يخلو منه المكان الأول كما هو مبسوط في غير هذا الموضع.
والمقصود أن كلام ابن جرير في تفسيره في باب الأسماء والصفات لم يحرر جيدا، بل فيه اضطراب