الصفحة 56 من 89

قرره الجصاص في مواضع من فصوله فقال [1] : (خَبَرَ الْوَاحِدِ مَقْبُولٌ عَلَى جِهَةِ الِاجْتِهَادِ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِالرَّاوِي، كَالشَّهَادَاتِ، فَمَتَى كَثُرَ غَلَطُ الرَّاوِي، وَظَهَرَ مِنْ السَّلَفِ التَّثَبُّتُ فِي رِوَايَتِهِ، كَانَ ذَلِكَ مُسَوِّغًا لِلِاجْتِهَادِ فِي مُقَابَلَتِهِ بِالْقِيَاسِ، وَشَوَاهِدِ الْأُصُولِ) .

وإنما يخالفون أئمة أهل الحديث في رواية من في روايته أوهام ولم يكن فقيهًا إذا خالف القياس، هذا هو المشهور، وظاهر كلام أبي حنيفة أنه لا يترك سنة بقياس البتة، قال ابن معين في تاريخه [2] : (حَدثنَا يحيى قَالَ حَدثنَا عبيد بن أبي قُرَّة قَالَ سَمِعت يحيى بن ضريس يَقُول شهِدت سُفْيَان وَأَتَاهُ رجل فَقَالَ مَا تنقم على أبي حنيفَة قَالَ وَمَاله قَالَ سمعته يَقُول آخذ بِكِتَاب الله فَمَا لم أجد فبسنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَإِن لم أجد فِي كتاب الله وَلَا سنة آخذ بقول أَصْحَابه آخذ بقول من شِئْت مِنْهُم وأدع قَول من شِئْت ولا أخرج من قَوْلهم إِلَى قَول غَيرهم فَإِذا مَا انْتهى الْأَمر أَو جَاءَ الْأَمر إِلَى إِبْرَاهِيم وَالشعْبِيّ وَابْن سِيرِين وَالْحسن وَعَطَاء وَسَعِيد بن الْمسيب وَعدد رجَالًا فقوم اجتهدوا فأجتهد كَمَا اجتهدوا .. ) .

فنلاحظ أنه وضع الاجتهاد بعد البحث عن السنة وخلو المسألة من قول الصحابي، وهذا ما حصل في الجانب التطبيقي الفقهي؛ إذ تركوا القياس في الوضوء من القهقهة لخبر مرسل، قَالَ مُحَمَّد بن الْحسن [3] : (لَوْلَا مَا جَاءَ من الْآثَار كَانَ الْقيَاس على مَا قَالَ أهل الْمَدِينَة وَلَكِن لَا قِيَاس مَعَ اثر وَلَيْسَ يَنْبَغِي إلا أن ينقاد للآثار) .

قال السرخسي في أصوله [4] : (الْقيَاس لَا يصلح مُعَارضا للْخَبَر الْوَاحِد عندنَا وَلِهَذَا أَخذنَا بالْخبر الْوَاحِد الْمُوجب للْوُضُوء عِنْد القهقهة فِي الصَّلَاة وَتَركنَا الْقيَاس بِهِ وَأَبُو حنيفَة أَخذ بِخَبَر الْوَاحِد فِي الْوضُوء بنبيذ التَّمْر وَترك الْقيَاس بِهِ)

وقال محمد بن الحسن [5] : (قلت أَرَأَيْت المني يكون فِي الثَّوْب فيجف فيحكه الرجل قَالَ يجْزِيه ذَلِك بلغنَا عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا أَنَّهَا كَانَت تفركه من ثوب رَسُول الله صلى

(3) في الحجة على أهل المدينة (1/ 204)

(5) في كتابه الأصل (1/ 61) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت