المجرد، بل هم أحيانا يسردون الأحاديث ذات الأسانيد المعلولة اعتضادا واستئناسا لمعنى ثبت لديهم من طرق أخرى، وبعض الجهال يعترض عليهم وهو لا يفقه عظمة هؤلاء الجهابذة.
وقد حصل غلو من بعض الأحناف فردوا كل أخبار الآحاد الثابتة فيما تعم به البلوى، كما قد يحصل في بعض هذه القواعد الصحيحة غلط في التطبيق كأن يُرَد حديثٌ-فيما تعم به البلوى أو فيما تتوافر الهمم والدواعي على نقله-يحتج بإسناده في بعض المسائل، وهذا الرد حق لو لم يثبت إلا بهذا الإسناد؛ لقوة المعارض، لكنه قد يثبت بأسانيد أخرى لم تبلغ ذاك الفقيه، فالخلل من جهة تفريطه بعلم الرواية لا من جهة تطبيق القاعدة، وقد يكون الخلل من جهة المبالغة في تطبيق القاعدة فيرد بها أخبار الآحاد الصحيحة الثابتة.
وأما النظر إلى فقه الراوي وتقديم روايته على رواية غير الفقيه إذا رواياه بالمعنى: فليس هذا خاصا بأهل الرأي، بل هو مذهب كبار أهل الحديث. قال الحاكم [1] : (أَخْبَرَنَا أَبُو الطَّيِّبِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْمُذَكِّرُ , ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيُّ , ثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالَ: قَالَ لَنَا وَكِيعٌ: أَيُّ الْإِسْنَادَيْنِ أَحَبُّ إِلَيْكُمُ الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَوْ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ , عَنْ عَلْقَمَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْنَا: الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، فَقَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، الْأَعْمَشُ شَيْخٌ، وَأَبُو وَائِلٍ شَيْخٌ، وَسُفْيَانُ فَقِيهٌ، وَمَنْصُورٌ فَقِيهٌ، وَإِبْرَاهِيمُ فَقِيهٌ، وَعَلْقَمَةُ فَقِيهٌ، وَحَدِيثٌ يَتَدَاوَلُهُ الْفُقَهَاءُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَدَاوَلَهُ الشُّيُوخُ") ."
وقال ابن تيمية [2] : (وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ فِي الرِّوَايَةِ إلَى الْفِقْهِ إذَا كَانَ قَدْ رُوِيَ بِالْمَعْنَى فَخَافَ أَنَّ غَيْرَ الْفَقِيهِ يُغَيِّرُ الْمَعْنَى وَهُوَ لَا يَدْرِي. و"أَبُو هُرَيْرَةَ"كَانَ مِنْ أَحْفَظِ الْأُمَّةِ) .
والمشهور عن الحنفية المتقدمين أن رواية غير الفقيه المعروف بالضبط والاتقان حجة مطلقا لا تترك من أجل القياس، قال مهندس الأصول الحنفي عيسى بن أبان [3] : (فَإِنْ كَانَ الَّذِي رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ مَجْهُولًا، أَوْ شَكَّ النَّاسُ فِي خَبَرِهِ، وَاتَّهَمُوا وَهْمَهُ، نُظِرَ فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ، وَرُدَّ مِنْهُ مَا كَانَ يُخَالِفُ نَظَائِرَهُ مِنْ السُّنَّةِ وَالتَّأْوِيلِ، وَجَازَ الِاجْتِهَادُ فِي قَبُولِهِ وَرَدِّهِ.) ، وهو ما
(1) في معرفة علوم الحديث (11)
(2) مجموع الفتاوى (4/ 534)
(3) في الفصول في الأصول (3/ 134) .