غَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَقُولُ لَكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَتَقُولُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ، مَا أَحَقَّكَ بِأَنْ تُحْبَسَ، ثُمَّ لَا تَخْرُجَ حَتَّى تَنْزِعَ عَنْ قَوْلِكَ هَذَا")."
ونلاحظ أن راوي حديث الإشعار ابن عباس-وهو من أفقه الصحابة-ومع ذلك لم يأخذ به أبو حنيفة؛ وذلك لعدم بلوغ الخبر إليه، والمثلة ضرر لا نفع فيها بوجه من الوجوه، والإشعار لا يضر البهيمة، وفيه تعظيم لشعائر الله ..
والمقصود أن أبا حنيفة قد حصل منه أشباه ذلك من مخالفة الآثار لعدم بلوغها إليه بلوغا يحتج به، فهبت طائفة من أهل الحديث إلى ذمه ذما شديدا في الحديث والفقه ظنا منهم أنه يتعمد ذلك، وأحمد بن حنبل مطّلع على كثير من أرائه كما هو ظاهر من مسائله وينتقدها في الغالب؛ وذلك لسعة علمه بالآثار، وهو يميل إلى الشدة عليه في الجملة .. ، وكثير من أهل الحديث على الاعتداد به في الفقه كالأعمش، وابن المبارك، ويحي بن آدم، والشافعي، وعبدالرزاق الصنعاني، وأبي عبيدة، وابن أبي شيبة، والمروزي وغيرهم [1] .
وليس الغرض استقصاء من مدح أبي حنيفة في نبوغه في الفقه، وإنما الغرض أن جماعة مشهورة من أهل الحديث قد أثنوا عليه في الفقه، ومن اشتد عليه؛ فلظنه أنه يتعمد رد الأحاديث، وأما من كفره؛ فلعدم علمه برجوعه عن بعض أقواله في الاعتقاد، ولم يقل أحد إن قول الواحد من أهل الحديث حجة على غيره.
الثالثة: حاول المؤلفان تصوير أصل النزاع بين أهل الرأي وأهل الحديث أنه نزاع في الفهم وقواعد الترجيح، ولم يبرِزا السبب الرئيسي وهو عدم بلوغ الأحاديث إليهم كما تقدم، وأشهر القواعد التي يظن تفرد أبي حنيفة فيها هي: قاعدة ما تعم به البلوى، وقاعدة رواية الفقيه التي أشار إليها المؤلفان.
أما رد الأحاديث الشاذة والضعيفة فيما تعم به البلوى ويحتملونها إذا كانت موافقة للأصول .. فهذه قاعدة صحيحة في الجملة يستعملها كبار أهل الحديث في الجملة كما يستعملون نظائرها من القواعد من معايرتها بالأحاديث الأخرى، فهم لا يكتفون بالإسناد
(1) قال الذهبي في تاريخ الإسلام (3/ 991) : (قَالَ ضِرَارُ بن صرد: سئل يزيد بن هارون: أيما أفقه: أبو حنيفة أو الثَّوْرِيُّ؟ فَقَالَ: أَبُو حَنِيفَةَ أَفْقَهُ، وَسُفْيَانُ أَحْفَظُ لِلْحَدِيثِ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: أَبُو حَنِيفَةَ أَفْقَهُ النَّاسِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: النَّاسُ فِي الْفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَوْرَعَ وَلا أَعْقَلَ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ جَزَرَةُ، وَغَيْرُهُ: سَمِعْنَا ابْنَ مَعِينٍ يَقُولُ: أَبُو حَنِيفَةَ ثِقَةٌ)