في زمانه، وقد كثر الكلام فيه واضطرب، قال اسحاق بن راهويه [1] : (ثُمَّ نَظَرْتُ بَعْدُ فَإِذَا النَّاسُ فِي أَمْرِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى خِلافِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ بِخُرْاسَانٍ) ؛ وذلك أن من أهل الحديث من رآه يرد الأحاديث الصحاح بالأقيسة، كما أنه حصل منه زلل في بعض مسائل الاعتقاد، كما توسع بعض أصحابه في الحيل .. فاجتمعت هذه الأمور: فاختلفوا فيه، وإنما نقم بعض أهل الحديث عليه في الفقه مخالفته للآثار بالقياس، وهو في الغالب يخالفها لعدم بلوغها إليه، وعادته أن يقرن الحكم بالقياس فيظن أنه يقدمه على الأثر، ومن ذلك على سبيل المثال، قال ابن قتيبة [2] :(وَرَوَى أَبُو عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ سَرَقَ ودِيًّا فَقَالَ: عَلَيْهِ الْقَطْعُ.
فَقُلْتُ لَهُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَر". فَقَالَ: مَا بَلَغَنِي هَذَا .. )
فنلاحظ أن أبا حنيفة لم يبلغه الخبر، ولو بلغه لذهب إليه وترك القياس، وقال ابن قتيبة أيضا في (107) : (قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: وَسُئِلَ -يَعْنِي أَبَا حَنِيفَةَ- عَنِ الشُّرْبِ فِي الْإِنَاءِ الْمُفَضَّضِ. فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، إِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخَاتَمِ فِي إِصْبَعِكَ، فَتُدْخِلُ يَدكَ الْمَاءَ، فَتَشْرَبُهُ بِهَا.) .
فنلاحظ أن أبا حنيفة أباح الشرب في الإناء المفضض بالقياس وكأنه يرد أحاديث النهي، ويبدو لي أنه لم تبلغه أحاديث النهي عن الشرب في آنية الفضة أو بلغته بطريق ضعيف؛ ولهذا خالفه أصحابه في هذه المسألة، والنصوص لا تخالِف القياس، وإنما المجتهد قد يخطئ في ذلك، والخاتم تابع يسير يشبه المضبب في جواز الشرب بخلاف المفضض.
وقال الترمذي في جامعه [3] : (سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ: سَمِعْتُ وَكِيعًا يَقُولُ حِينَ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ، فَقَالَ: «لَا تَنْظُرُوا إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الرَّأْيِ فِي هَذَا، فَإِنَّ الإِشْعَارَ سُنَّةٌ، وَقَوْلُهُمْ بِدْعَةٌ» . وَسَمِعْتُ أَبَا السَّائِبِ يَقُولُ:"كُنَّا عِنْدَ وَكِيعٍ، فَقَالَ لِرَجُلٍ عِنْدَهُ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي الرَّأْيِ: أَشْعَرَ رَسُولُ اللَّهِ-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَيَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ مُثْلَةٌ؟ قَالَ الرَّجُلُ: فَإِنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: الإِشْعَارُ مُثْلَةٌ، قَالَ: فَرَأَيْتُ وَكِيعًا"
(1) في كتاب الورع لأحمد رواية المروزي (135)
(2) في تأويل مختلف الحديث (104)