الصفحة 6 من 89

ويبدو أن المؤلفين قد انفعالا كثيرا؛ حيث وصفا أي قراءة فكرية توصلت إلى أن ما بعد الحداثة هي هدم وسلب وانهيار لما قبلها هي قراءة مراهق فكريا!

حسنا .. قد يكون هذا الرأي ضعيفا للغاية أو لا قائل به من الباحثين الكبار .. وما إن خفضت رأسي قليلا؛ إذ وقعت عيني على الجملة التالية: (إن هناك من يفهم الما بعد بوصفه انهيارا للقيم التي خرج عليها، وهذه قراءة غير حصرية أو حتمية تنفي غيرها من القراءات، فـ(المابعد) يمكن أن نقرأه بوصفه تجليا جديدا وتفسيرا مختلفا، وليس سالبا .. ).

فهذه الجملة تخالف الجملة السابقة؛ إذ هذه الجملة الأخيرة تقرر أن تفسير ما بعد الحداثة بالانهيار تفسير شائع مشهور، ولم ينفيا ذلك، وإنما نفيا حصره فيه!

وهاهنا عدة ملحوظات:

الأولى: أن مجرد (البعدية) في اللغة وفي العرف الاستعمالي الشائع في كتب العقائد والمتكلمين والفلاسفة: ليست مدحا، بل هي أقرب إلى الذم؛ لأنها تطلق بإزاء القَبْل، و (البعدية) في اصطلاح الفلاسفة والمتكلمين على خمسة أضرب: بعدية زمانية ومكانية وشرفية وذاتية ورتبة، والغالب عليها في العرف الاستعمالي هو ذم البعدية ومدح القبلية، وقد حقق ابن تيمية في مواضع من كتبه أن تلك الأضرب الخمسة ترجع إلى البعدية والقبلية الزمانية لا غير.

والمقصود أن المؤلفين ذمّا كتابهما من حيث أرادا مدحه، ولو كان حاذقين لسمياه (ما قبل السلفية) وعنيا به الكتاب والسنة أو نحو ذلك من العناوين؛ ليحقق بذلك غرضهما، ولكن الله أراد أن يفضحهما بالعنوان كما سيفضحهما بالمضمون.

الثانية: أن المؤلفين حصل منهما اضطراب، فتارة تفسير (ما بعد الحداثة) بالعدمية والحلولية: مراهقة فكرية، وتارة تفسيرها بالعدمية والانهيار قراءة صحيحة لكنها ليست حصرية!

الثالثة: سلمنا جدلا أن (الما بعد) في الاصطلاح الفلسفي المعاصر ليست بالضرورة عدمية سالبة، ولكنكما جعلتماها: (تفسيرا مختلفًا) فما معنى هذا التفسير المختلف؟ أهو اختلاف تنوع أم اختلاف تضاد؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت