الصفحة 7 من 89

فإن كان اختلاف تنوع فالخطب يسير، لكن لا يظهر أن هذا هو المراد؛ لأن المشهور من لفظ الاختلاف في الأبحاث المعاصرة هو اختلاف التضاد، ولأن ما أورداه في الكتاب ليس من باب اختلاف تنوع.

وإن أرادا به اختلاف التضاد: فهو سالب لما قبله وعادم له، وإحلال لهذا التفسير مكانه.

الرابعة: أنه لو كان (للما بعد) تفسيران: أحدهما صحيح، والآخر باطل، فمن الغلط وضع مثل هذا العنوان الملتبس!.

الخامسة: أن الباحثِين يكادون يتفقون أن (ما بعد الحداثة) تعبر عن حالة عدم رضى عما قبلها، وأن ما بعدها مخالف لما قبلها، بل ونقد لها [1] .

السادسة: حصل بين الباحثِين نزاع في مصطلح ما بعد الحداثة، هل هو تقويض لما قبله كما يقول ليوطار أو هو امتداد وتجدد كما يقول هابرماس أو هو تقويض من بعض الوجوه كما يقول جاك دريدا؟

ومن رجح أن (ما بعد الحداثة) امتداد لما قبلها، إنما أرجع ذلك إلى طبيعة الحداثة نفسها: فهي غير ثابتة ولا مستقرة [2] .

(1) قال ألان تورين-كما في كتاب طه عبدالرحمن ونقد الحداثة (75) : (إن الحقل الاجتماعي الثقافي الغربي منذ أواخر القرن التاسع عشر لا يمثل مرحلة جديدة في مسار الحداثة بقدر ما يمثل مرحلة نقدها وتفكيكها) ، قال بو زبرة: (هذه المرحلة هي ما بعد الحداثة) ؛ وعليه يكون (ما بعد السلفية) مخالف لما قبلها سواء كان من كل الوجوه أو من بعضها، وأيا كان ذلك فهذا نذير شر أن يخالف المؤلفان السلف في القرون الأولى ولو من بعض الوجوه.

(2) قال عبدالوهاب المسيري في كتابه الفلسفة المادية (167) : (هي رؤية تنطلق من عدة أطروحات فلسفية متداخلة ومصطلحات صاخبة رنانة تتغير بمعدل مرة كل أسبوع تقريبا، كلها تؤكد غياب المرجعيات وتآكل الذات وفقدانها لحدودها، وتآكل الموضوع وفقدانه لحدوده، وهيمنة النسبية المعرفية الأخلاقية .. ) . وهذا ما أكده هابرماس وهو ممن يرى أن ما بعد الحداثة امتداد لها؛ إذ هي: (لا ترتبط بمرحلة تاريخية معينة، ولكنها تتجدد دوما كلما تجددت العلاقات بالقدم .. الحداثة مشروع غير منجز أي غير مكتمل، بل في طور الاكتمال؛ كون الحدثة ليست عهدا ولى وانقضى، بل الحداثة تدور حول نفسها) . من كتاب طه عبدالرحمن ونقد الحداثة (76) . ويقول جاك دريدا في حوار مع كيرني كما في كتاب جدل العقل (171) : (على المرء أن يتغلب على التعارضات المطلقة الخاصة بالانقطاع التاريخي"التمزق"والاستمرارية"التكرار"حيث أنهما ليسا قطعية خالصة مع الماضي، ولا انفتاحا خالصا عليه، أو تحليلا له) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت