الصفحة 105 من 223

صعود الغرب الذي نحتته المركزية الأوربية، ومن ثم يمكن توضيح أن مصر، شأنها شأن مناطق أخرى في الدولة العثمانية، وفي الهند وفي جنوب شرق آسيا، كانت جزءا من التوجهات التي شهدها العالم، وأن بعض هذه التوجهات كانت هي أساس التطورات اللاحقة، وأن مصر، وما يسمى دول العالم الثالث، كانت بطريقة أو بأخرى جزنا من عمليات تشكل تاريخ العالم الحديث: والدليل على ذلك أن السمات التي تناولناها سابقا في هذا الفصل قد أسهمت في نهاية المطاف في ميلاد العالم الحديث. وفكرة أن أوروبا فقط كانت صاحبة الدور الأول والوحيد في إنشاء العالم الحديث، يمكن الرد عليها بطرق مختلفة من خلال هذا المنهج، ويسمح هذا المنهج أيضا المؤرخين بالربط بين ما قبل العصر الحديث، والعصر الحديث، من خلال توضيح كيف أن الاتجاهات التي صارت مهيمنة في القرنين التاسع عشر والعشرين، كان لها جذور في العصر السابق عليهما، ومن ثم يمكن أن نعيد تقييم الروابط بين هذا العصر والتطورات اللاحقة في القرن التاسع عشر.

ثانيا، يطرح هذا الكتاب قضية منهجية حول تاريخ العالم؛ حيث إن تاريخ العالم لم يكن فقط قصرا على الأكاديميين أو المثقفين أو العلماء، فتاريخ العالم يتتبع الخطوط العريضة للتوجهات، والتي كان لها تأثير واسع على أجزاء كبيرة من العالم. وهذا الكتاب يتتبع بعض من هذه الخطوط العريضة، مثل عملية التنجير. كما أنه يستحضر الأناس العاديين إلى هذا المشهد، سواء كانوا قد تأثروا واستشعروا التغييرات الجارية في العالم، أو كان لهم إسهاماتهم الخاصة في هذه التغيرات، ومثال على هؤلاء الناس العاديين. الكثير من الحرفيين ومن طوائف الحرفيين، الذين كانت لهم أساليبهم في صناعة منتجاتهم سواء بالابتكار أو التعديل، ولم يتم ذلك في معامل بحثية، ولكن كان يتم عن طريق الممارسة اليومية وطريقة المحاولة والخطأ، يمكن ملاحظة ذلك في مصر على المستوى الأوسع وكذلك المستوى الأصغر، حيث ساهم الحرفيون وطوائفهم، عن طريق أعمالهم اليومية، في زيادة حجم التبادلات، وتوسع الأسواق، وأدى زيادة الاستهلاك إلى تغيير أنماط وطرق عملهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت