الصفحة 107 من 223

ولكن عدم وجود أسماء لامعة لعلماء كبار أو مثقفين تجاوزت أعمالهم حدود مصر، دفع الباحثين إلى وصم هذا العصر بالتدهور؛ على أن دراسة انتقال الخبرات والتقنيات بين الشرق والغرب تتيح لنا رؤية الأمور من أسفل إلى أعلى، ليس فقط من خلال الأسماء الكبيرة لعلماء أو مثقفين، ولكن من خلال أيضا أناس لا نعرف أسماهم. وهذا الكتاب يناقش بعض تلك المبادرات لأشخاص عاديين، بغرض إيضاح كيف أن هذه المبادرات قد تشكل جزنا من عمليات تاريخية مهمة، وكيف تؤثر الظروف الإقليمية والدولية في حياة وأعمال هؤلاء الناس

وعلى ذلك يمكن أن نعتبر أن مصر كان لها دور، على أكثر من مستوى، في صناعة تاريخ العالم اليوم. ويمكن هنا أن نذكر مثال الإسهامات التي قدمتها مصر في مجال الخبرات التقنية لصناعة الأقمشة. وكيف أن هذه الخبرات بخلت ضمن صناعات إنتاج المنسوجات الحديثة في فرنسا، بل وساهمت في تطويرها. هذا فقط مثال من بين أمثلة كثيرة من أنواع الخبرات التي تطورت في بلدان غير أوروبية، وأسهمت في تشكيل العالم الحديث. ويمكن لنا أن نتجاوز روايات المركزية الأوروبية بالتركيز على روايات تأخذ في اعتبارها هذه الإسهامات غير الأوروبية، ويمكن النظر إلى هذه الإسهامات على أنها جزء من عملية تتجه من أسفل إلى أعلى، حيث انتقلت المعارف والتقنيات، التي استنها الحرفيون في ورشهم وعن طريق ممارساتهم اليومية، ودون اتباع طرق علمية في تطويرها، انتقلت لتشكل جزءا من البرامج التقنية والفنية الحديثة وكذلك المنتجات الحديثة.

وعلى مستوى آخر، كانت مصر تشكل جزا أيضا من عمليات الترابط والتواصل التي خلقتها ظروف العصر، وأدى هذا التواصل إلى ظهور أنماط متشابهة من الممارسات في مناطق متباعدة، وعندما صار العالم أكثر اتصالا في القرن التاسع عشر، صارت التوجهات والممارسات والتقنيات والموضات أكثر عالمية وانتشارا، هذه العمليات أدت إلى مستوى أكبر من التقنين المعياري لعدد من الممارسات في القرن التالي، وعلى ذلك لا يمكن الفصل بين ما كان يجري في مصر في الفترة من 1000

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت