الصفحة 34 من 223

والواقع أن الحديث عن الأوروبيين بوصفهم دائما الفاعلين، وغير الأوربيين بوصفهم المستقبلين، إنما يشوه حقيقة معقدة وشائكة، وغير معروفة بشكل دقيق، وما اعتبر أوروبيا وحدينا هو في حقيقة الأمر أكثر تعقيدا، وبمجرد أن بدأت ملامح الثورة الصناعية تتشكل في القرن التاسع عشر، مع سيطرة القوى الاستعمارية على معظم بلدان العالم الثالث، انتقلت على الفور كثير من الاختراعات والابتكارات التكنولوجية من أوروبا إلى أقاليم خارجها. حدث ذلك في كثير من المجالات، منها على سبيل المثال، مجال الاتصالات، والسفن البخارية، والسكك الحديدية، والتلغراف: في مجال العلم والتكنولوجيا، وكذلك في مجال الطب، وكان لانتقال هذه المبتكرات خارج أورويا أهمية كبيرة، وعلى الرغم من ذلك، فإن الحديث عن وجود تخلف في بدايات العصر الحديث يشوه حقائق هذا العصر.

ظلت روابة التخلف هذه هي المهيمنة على مجالات الكتابة المختلفة، حتى تصدت دراسات أكاديمية حديثة لهذا الطرح، وقدمت صورة مغايرة تماما عن هذا العصر وبينت أنه عصر تميز بحراك هائل خارج أوروبا، وشهد توسعا ملحوظا في التجارة والإنتاج، وتوظيف الأموال (1)

بعكف حاليا عدد من المؤرخين على مراجعة جدية لهذه الأفكار، وأنتجوا أعمالا مهمة غيرت في طريقة تفكيرنا حول هذه الفترة ككل، ومن ثم بدأت تلك المسلمات القديمة تتهاوى بشكل تدريجي، وعلى سبيل المثال، تظهر الدراسات الحديثة حول مصر العثمانية، بما فيها أعمالي، صورة مغايرة لتلك التي رسمتها الدراسات حول سلطان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت