الصفحة 28 من 223

والمشترك في هذه الدراسات والكتابات هو اتباعها منهج الانتشارية (0) - Difusion ist approach، وهذا المنهج يعتبر أن للثقافة مركزا وحيدا (أويا) ، ومنه تنتقل إلى أقاليم أخرى، بدرجات متفاوتة من النجاح. وتعزز هذا المنهج مع تطور الإمبريالية وبخاصة في طورها في القرن التاسع عشر. وفي إطار هذا المنهج كانت دراسة الدولة العثمانية تعنون بقرنين أو ثلاثة قرون من التخلف

وتبعا لهذا المنهج، كتب تاريخ البلاد التي كانت مستمرة، بطريقة توضح مدى التخلف والانحدار التي وصلت إليه قبل عصر الاستعمار الأوبوبي مباشرة، واستمر هذا النهج في الكتابة حتى عقود قليلة مضت

في هذا الإطار، ظلت كتابة تاريخ مصر، وبقية أقاليم الدولة العثمانية، تركز على الجوانب السلبية في هذا العصر، والكثير من هذا النوع من الدراسات كان همه الأساسي إبراز الطبيعة المستبدة الحكم، وأحوال التدهور والفوضى التي حاقت بالمجتمع والاقتصاد والثقافة والتعليم. ومن ثم، صورت القرين الثلاثة السابقة على الحملة الفرنسية على مصر 1798 م بأنها أقصى نقطة في الانحدار شهدها تاريخ مصر على الإطلاق. كانت السلطنة المستبدة، أو قوة الدولة، هي الفاعل الرئيسي تاريخيا، والمهيمنة على النواحي كافة، ولم تترك للمجتمع أي مساحة للحراك، إلا قليلا. وتبعا لذلك صورت العملية التاريخية، عادة، على أنها عملية من فوق إلى أسفل. بعبارة أخرى، انصب الاهتمام على إبراز عدم قدرة المنطقة الدولة العثمانية على مواكبة التطورات العديدة التي شهدتها أوروبا في ذلك الوقت، مثل النهضة والتنوير. فبينما شهدت أوروبا تطورا ثقافيا وسياسيا، ظل هذا الإقليم غارقا في انحطاطه، ومن الصعوبة بمكان أن تجد لمصر أي حيز، أو وجود، في التحولات الإقليمية والعالمية التي حدثت في ذلك العصر، وعلى ذلك انتفي وجود أي دور فاعل في تاريخ العالم.

(0) هو منهج نشا وتطور في علم الاجتماع لدراسة المجتمع والثقافة، يقوم هذا المنهج على اعتبار أن الثقافة لها مركز وحيد تنتشر منه إلى بقية أنحاء العالم، أو المجتمع. (المترجم)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت