فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 210

ومن هنا كانت حقيقة الدعوة الإسلامية: تبليغ القرآن للناس. فإن قيل: إن القرآن اليوم قد بلغ إلى العالم بأسره؛ فيلزم عن ذلك أن الدعوة قد استنفدت أغراضها! قلت: ليس التبليغ المقصود مجرد إيصال النص وحسب! ولكنه تبليغ مفاهيم الإيمان به إلى الناس. الإيمان من حيث هو إحساس ووجدان، وبقدر درجة الإيمان وفيض الوجدان يكون التبليغ. فالداعية إذن مبلغ متفاعل متأثر لا مردد للنص أو مستظهر له وكفى! كلا! إن الدعوة القرآنية: أن تنزل إلى الناس بمفاهيم القرآن في العقيدة والعبادة والسلوك، تبشر وتنذر به، تاليا له ومستشهدا به! فهو حجة الله على عباده. فحينئذ يكون القرآن متحركا من خلالك. فيراه الناس فيك ـ كما يسمعونه منك ـ سلوكا ومواقف! وتلك إذن (تلاوته حق تلاوته) ، كما قال عز وجل: (الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يومنون به. ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون!) (البقرة:120) . ولذلك فعندما سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ قالت: (كان خلقه القرآن) (20) .

الخُلُقُ الحي .. الذي يجد ما يجد من لذة القرآن، فيعب منه بلا انقطاع، ما يروي مواجيده، وينير بصيرته، ويعمر قبله؛ فإذا به لا ينطق إلا بهدي القرآن ولا يتحرك إلا بنوره. وإذ يعرضه على الناس كذلك؛ فإنه يكون وقعه كأنما يسمعونه لأول مرة! لأنهم يسمعونه ويرونه حركة تفيض بالحياة! تلك هي (البعثة) حقا في تجديد الدين، وإلا فالقرآن هو القرآن والإسلام هو الإسلام، ولكن القلوب هي التي كلت وعميت؛ لما طال عليها الأمد، وتفرقت بها الأهواء! قال عز وجل: (ألم يان للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله، وما نزل من الحق، ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل؛ فطال عليهم الأمد؛ فقست قلوبهم، وكثير منهم فاسقون!) (الحديد:15) .

إن الناس في حاجة شديدة إلى القرآن الكريم. ينزل عليهم مرة أخرى من جديد! عبر (بعثة) تحيي فيهم كل موات! ينزل عليهم؛ عبر الدعاة إلى الله، الدعاة الربانيين، المتفاعلين به، المستمدين لنوره، والمتكلمين بمفاهيمه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت