لم يتفق الفقهاء المسلمون على شيء في المسألة السياسية، عدا حكم (وجوب) تنصيب الخليفة، الثابت عندهم بالإجماع كما رأيت. واختلفوا فيما دون ذلك اختلافا شديدا! لما للموضوع من طبيعة اجتهادية، لا نص فيها من ناحية؛ ولما للمسألة (السياسية) من حساسية عصبية من ناحية أخرى.
كيف تتم بيعة الإمام؟ ـ بعد إجماعهم على حكم الوجوب ـ هل يكفي الواحد والثلاثة أم لابد من إجماع؟
ثم كيف يتم التعيين والاختيار؟ بالشورى أم بالعهد؟
والشورى هل هي شورى الأمة بأكملها؛ أم شورى أهل الحل والعقد فقط؟
ثم الشورى بعد ذلك ـ سواء بهذا الشكل أو ذاك ـ هل يكفي فيها التغليب (غلبة الأصوات) ؛ أم لابد من إجماع فيها أيضا؟
وإذا تعين السلطان وتمت له البيعة؛ هل يكون حكمه فرديا أم لابد من شورى حكومية وشعبية؟
وإذا كانت هناك شورى من هذا النوع؛ أتكون ملزمة أم معلمة؟
والعهد هل يكون ملزما للناس أم أنه متوقف على رضاهم؟ يعني هل العهد (صوت) من الأصوات ورأي من الآراء تجوز مخالفته ونقضه؛ أم أنه قرار لا يناقش، وأمر مطاع لا رجعة فيه؟
ثم ما أشكال التنزيل السياسي المناسبة لهذا الزمان وأهله؟ أو بعبارة القدماء: ما صور (تحقيق المناط) للشأن السياسي عامة، ومسألة الشورى منه خاصة؟ ... إلخ. إلخ.
أسئلة كثيرة في المسألة السياسية لا تكاد تنتهي!
معلوم قطعا أن الفقهاء ـ قدماءهم ومحدثيهم ـ إنما أجابوا عن بعضها بالاجتهاد المحض! إذ ما عدا الأمر القرآني بالشورى ـ وقد رأيت ما فيه من مقال ـ ثم إجماع الصحابة على تنصيب الإمام؛ لا تجد شيئا من النصوص