ومن هنا يكون الداعية إلى الله، إنما يقود المجتمع من داخله، لا من خارجه! وما أحكمها كلمة ما فتئ الدكتور أحمد الريسوني (18) يجيب بها؛ متى سئل من لدن شباب الحركة الإسلامية: (ما الذي يميزنا؟) . فيقول: (يميزنا عدم التميز) .
ونجيب ـ ضمنه ـ عن سؤال ضروري: لماذا كان وصف البيان الدعوي بـ (القرآني) ؟
ذلك أن تجديد الدين يعني (بعثة) جديدة. وإنما بعث محمد - صلى الله عليه وسلم - بالقرآن الكريم. بشيرا ونذيرا للعالمين. فكان كتاب الله بين يديه هو (متن الرسالة) التي كلف بتبليغها إلى الناس. ومن هنا فإنما كان تعامله - صلى الله عليه وسلم - مع القرآن من حيث هو (رسالة) بالدرجة الأولى، يحمل الهداية إلى العالمين! وبذلك سمي محمد - صلى الله عليه وسلم: (رسولا) ، على سبيل التكليف؛ فقال له الله عز وجل: (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك! وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته. والله يعصمك من الناس. إن الله لا يهدي القوم الكافرين) (المائدة:69) . وقال سبحانه: (محمد رسول الله) الآية. (الحجرات:29) . وقال عز وجل: (قل إني لن يجيرني من الله أحدٌ ولن أجد من دونه ملتحدا إلا بلاغا من الله ورسالاته) (الجن:22 ـ 23) .
هذا هو جوهر الوظيفة المحمدية. وهذه هي الطبيعة الأصيلة للقرآن الكريم: الرسالية!
ولابن القيم في ذلك كلام جيد جدا. قال رحمه الله: (فإن حقيقة الرسالة: تبليغ كلام المرسِل. فإذا لم يكن ثَمَّ كلام فماذا يبلغ الرسول؟ بل كيف يعقل كونه رسولا؟ ولهذا قال غير واحد من السلف: من أنكر أن يكون الله متكلما، أو يكون القرآن كلامه؛ فقد أنكر رسالة محمد - صلى الله عليه وسلم -، بل ورسالة جميع الرسل، التي حقيقتها: تبليغ كلام الله تبارك وتعالى.) (19)