الصفحة 17 من 30

ولم تكن المصارف التجارية، ومن ورائها أبواق المرابين، بالتي تسكت عما تفعله الحكومات، ما لم تُشْرَك في ثمار هذا"الفيء العريض"، فبدأت تولد نوعًا جديدًا من النقود هو نقود الودائع أو النقود المصرفية تعوض به ما فاتها من إصدار النقود الورقية. وما لبث هذا الشكل الحادث من أشكال النقود أن توسّع على نحو سريع، وصار ينهض بتسوية الجزء الأكبر من التزامات المتعاملين في الدول المتقدمة.

إن الممارستين السابقتين كلتاهما قد أساءت إلى قيمة النقود أيما إساءة وصارت هذه الأخيرة رغم التنامي الهائل في الإنتاج (الذي يُفترض أن يرفع من قيمة النقود) في انخفاض مستمر من جراء التوسع في الإصدار والإقراض.

ولكن كيف تسنّى للمصارف أن تولِّد نقود الودائع؟!

النقود المصرفية: نقود الودائع

اكتشفت المصارف بالتجربة الفعلية أن من يودعون لديها النقود لا يسحبون في آن واحد ما أودعوا. بل يسحبون جزءًا يسيرًا منه في أي يوم معين، فيكفيها والحالة هذه للوفاء بطلبات السحب أن تحتفظ باحتياطي صغير (مثلًا 10%) من مجموع ما أودع لديها؛ وما زاد (وهو 90% من الودائع في مثالنا) تقرضه وتنتفع بفوائده. وقد كانت نسبة هذا الاحتياطي في البداية تحدد اجتهاديًّا، ثم مع تطور العمل المصرفي صارت تحدد عرفيًّا، ثم بعد ذلك جاءت الحكومات لتضفي مصادقة على هذا العرف المصرفي، بل لتفرضه بنسبة محددة تسمى نسبة الاحتياطي القانوني تستعملها كأداة تتحكم من خلالها بحجم الائتمان. ويُسمح للمصارف صراحة بإقراض ما زاد عن هذه النسبة من ودائعها.

وقد حلل الاقتصاديون بدقة نتيجة هذا الترتيب (المسمى نظام الاحتياطي الجزئي) وتبينوا أنه يسمح المصارف التجارية أن تولد من مقدار معين من النقود الأصلية التي تودع لديها، عدة أضعافها من الودائع المصرفية المشتقة التي تستخدمها المصارف في تقديم التمويل وتستفيد من عوائدها.

إن قدرة المصارف على توليد هذه النقود"المشتقة"يعتمد على حجم ودائعها الأصلية من جهة، وعلى نسبة الاحتياطي القانوني من جهة أخرى. وينبغي أن لا يغرب عن الذهن أن قدرة المصرف التجاري على توليد الائتمان تعتمد أيضًا على الوضع المؤسسي، فتطور البيئة المصرفية، وتجاوب الجمهور مع المصارف، عوامل تعزز قدرتها على توليد الائتمان، بينما تعمل عناصر التسرب على تقييد قدرتها على ذلك.

والآن كيف ننظر إلى هذا الشكل النقودي الحادث من الناحية الشرعية؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت