الودائع، وحصر هذا الأهلية بالدولة ومصرفها المركزي. والأمة التي أوتيت الحكمة في إحراز هذا المطلب أمة أوتيت خيرًا كثيرًا. يقول عبد المنعم السيد علي:"ليس هناك من مؤسسة اقتصادية أو اجتماعية كانت أكثر فائدة للمجتمع الإنساني، أو أحدثت آلامًا أشد عندما أسيء استخدامها من النقود. فرغم قرون عديدة من التجارب، لم يستطع الإنسان لحد الآن أن يتقن تمامًا فن التحكم في النقود".
وأعتقد جازمًا أن الإنسان لم ولن يتقن فن التحكم بالنقود إلا بعد أن يقيم كل أحكام الله تعالى فيها، وبعد أن يتحصّن من كل المطامع والأهواء التي تحاول أن تتخذ من النقود ودورها الحيوي في الحياة وسيلة إلى مصالحها الضيقة.
أخلص من المناقشات المتقدمة إلى ما يأتي:
1 ـ أن النقود أداة تراد لوظائفها وحسب.
2 ـ أن كفاءة أدائها لوظائفها تستلزم أول ما تستلزم استقرار قيمتها.
3 ـ أن نظام المعدنين (الذهب والفضة) الذي كان على عهد التشريع لا يكفل المطلب المتقدم بشكل تلقائي كما ثبت من التحقيق التاريخي.
4 ـ أن الأحكام والإشارات التي وردت في الذهب والفضة أو معرّفة بهما، إنما اقترنت بهما -والله أعلم- لأنهما النقد السائد آنذاك. وهي تعبر -فيما نعتقده- عن مواضعة تاريخية؛ فهي من باب حكاية الفعل ولا تؤصل حكمًا توقيفيًّا في إيجاب التعامل بهما. لذلك لم يرَ فقهاء الأمة ضيرًا من التعامل بالنقود الاصطلاحية التي نرى وجوب إخضاعها لأحكام الاكتناز والصرف والربا والسَلَم والزكاة، تمامًا مثل النقود الخَلقية.
5 ـ إن استقرار قيمة النقود التي تمثل شرطًا لكفاءتها، تعبر عن مطلب شرعي مدرك عقلًا، ومؤصل شرعًا على أعلى درجة من الجدية والخطورة حقوقيًّا واقتصاديًّا.
6 ـ إن المطلب المتقدم أعلاه (استقرار قيمة النقود) ، ومن ثم كفاءة أدائها لوظائفها، ليس قرينًا بنظام المعدنين أو حتى المسكوك منهما، أو أي شكل مادي آخر على نحو تلقائي عفوي.
7 ـ إن التطور اللاحق وظهور النظام الورقي سهّل التوسع في الإصدار فأخلّ كثيرًا بقيمة النقود، وأظهر أهمية عنصر إدارة النقد، وأهمية تحصُّن الجمهور مؤسسيًّا تجاه ذلك.