الصفحة 7 من 30

وأورد الفقهاء خلافًا في جواز التعامل (أو إمساك) النقد المغشوش ربما أمكن تقييده بمجهولية قدر الغش وصفته ومدى جريان العرف به. وفي هذا السياق أيضًا هاجم ابن تيمية أهل الكيمياء، وشدد في مسؤولية الدولة عن متابعتهم وملاحقتهم لأنهم يستطيعون غش النقود بوسائل لا يستطيعها غيرهم. بل وأكد هو وغيره رقابة الهيئة الاجتماعية على السلطة التنفيذية؛ إذ أشار بأن ليس للإمام أن يبدل النقود الاصطلاحية الرائجة بين الناس، لأن ذلك مفضٍ إلى أكل أموالهم بالباطل، مثلما لا يكون لأحد من الرعية إصدارها افتئاتًا على السلطان.

والحق أن مسؤولية الدولة عن إصدار النقد وإدارته، حتى وإن لم يسنده نص توقيفي، فهو من باب المصالح المرسلة التي لا يُستغنى فيها عن الدولة أبدًا. قال ابن خلدون عن إصدار النقد:"هي وظيفة ضرورية للملك". قال عنها النووي في (المجموع) إنها"من شأن الإمام". وقال أحمد في رواية جعفر بن محمد:"لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان، لأن الناس إنْ رُخِّص لهم ركبوا العظائم".

وفي هذا السياق تناقل المؤرخون الإجراءات التي اعتمدها ولاة الأمور للحفاظ على سلامة النقد صيانة لهذه الوظيفة.

فإذا كان الحال كذلك مع النقود المعدنية ذات القيمة السلعية والنقدية معًا فكيف يكون مع النقود الورقية ذات القيمة الرمزية فقط؟ وهل أن الذي يحذِف من أطراف الدراهم والدنانير المعدنية أشد خطرًا من الذي يحذِف قيمة الدراهم والدنانير الورقية؟!

بل وهل هناك عظيمةٌ أمرُّ وأدهى من"تأهيل"المصارف التجارية فقهيًّا لذلك من خلال إسباغ المشروعية على توليدها لنقود الودائع!! سنرى تفصيل الأمر بعد قليل.

كفاءة النقود؛ الطبيعة النقدية: كيف تحرز ... .؟

لما كانت النقود أداة تراد لوظائفها وليس لشيء آخر، فإن كفاءتها هي التي تحرز ماهيتها النقدية (الثمنية) ، وليس شكلها المادي أو أي اعتبار آخر كما سنرى.

إن كفاءة النقود تعني حسن أدائها لوظائفها، فهذا هو محك الاختبار الصحيح. ولتوضيح ذلك نقول أن الوظيفة الأساسية الأولى للنقود إنما تمثّلت في قياس القيمة. وبغض النظر عن أي مضمون فكري تعالجه نظرية القيمة في تحديد جوهرها، أقول: بغض النظر عن هذا، فإن القيمة تجد تعبيرًا نقديًّا عنها في السوق. فبالنقود تؤشَّر أقيام السلع موضوع التبادل من خلال ما يعرف بالأسعار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت