الصفحة 2 من 30

وفي كل ما تقدم تعرضت للواقع النقدي كأمر قائم وشيء معطى. أما هذا البحث فإنه يهدف إلى التحقيق في الخصائص المعيارية التي ينبغي أن يكون عليها النقد في اقتصاد إسلامي، من خلال سعيه إلى الكشف عن جوهر النقدية، أو حقيقة الثمنية، وفصلها عما تلبّس بها تاريخيًّا من أشكال اعتبرها البعض جزءا حيويا من البناء العضوي لنظام نقدي إسلامي. كما يهدف أيضًا إلى الكشف عن أشراط الكفاءة التي تلزم لنقودٍ إسلاميةٍ تحقق مقاصد الشرع الحنيف.

إن كفاءة النظام النقدي وجريان الأحكام الشرعية في النقود وتجلّي آثارها المرغوبة في الحياة الاقتصادية ليس رهينًا بالنقود المعدنية (الخلقية) ، أو أي شكل تاريخي آخر، إنما هو رهين بسلطةٍ نقدية إسلامية أمينة وكفية (efficient) ، تنفذ أحكام الله تعالى في النقود، وتعمل على تحقيق التناسب بين المتداول النقدي والعرض السلعي، بما يضمن استقرار قيمة الوحدة النقدية باستمرار. وعندئذ فقط، يتوافر المناخ الملائم حقوقيًّا واقتصاديًّا، ليس للتعامل المرضي فحسب، وإنما لسائر وجوه الفعالية الاقتصادية.

وفي سعينا لإثبات فرضية البحث المتقدمة، تجاوزت الاستقراء التاريخي والتقرير الفقهي، إلى التحقيق المنطقي القائم على الاستدلال الاستنتاجي، لاستجلاء العلل والمقاصد الشرعية ذات العلاقة. وقد عضّدت ذلك بالنظرة التحليلية للآثار الحقوقية والاقتصادية الواقعة والاحتمالية. وأكرر هنا ما قلته في الأبحاث السابقة، بأن ما أكتبه هو رأي وليس فُتيا، لكنه رأي في واحدة من المسائل التي تهم الجميع على صعد مختلفة. لذا، فالأمانة الشرعية تقتضي من أهل الاختصاص النصح وبيان الرأي سيما المخالف منه وأنا لهم شاكر.

كما آمل أن لا تثير الآراء في هذا البحث حفيظة القارئ الغيور لمخالفتها ما اعتاد معاملته على أنه مسلّمات شرعية في التراث الفقهي، وهي في الحقيقة قناعات ومفاهيم نسبية ليس غير.

لا شك أن النقود وسيط اجتماعي قرين بالاقتصاد التبادلي، فهي أداة اعتمدها الاجتماع الإنساني للخروج عن نظام المقايضة الذي كان يكبل عمليات المبادلة بقيوده المعروفة. وهذه الأداة شأنها شأن الأدوات الأخرى، تعرف بوظائفها التي تؤديها، والتي من أجلها برزت للوجود؛ فليس لها طبيعة محددة ولا جوهر قائم بذاته. وفي هذا الصدد تتعاضد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت