الاستهلاكية أو الاستثمارية. وحين يعم هذا المناخ الاقتصاد كله، فعندئذ يكف القطاع النقدي عن تصدير الأزمات الاقتصادية.
وإذًا فالأداة النقود، الكَفِيَّة، ما ينبغي أن تكون إلا ثابتة القيمة.
إذا كنا قد خلصنا إلى أن ثبات قيمة النقد مطلب شرعي حقوقي، له آثاره الاقتصادية فلنا أن نتساءل عن الشكل الذي يكفل كفاءة أداء النقد لوظائفه، من خلال ضمان الاستقرار في قيمته، فهل كان التحول إلى نظام المسكوكات -الذي امتدحه (الماوردي) و (ابن خلدون) - كافيًا لضمان الكفاءة؟ وهل أن تقلّب المجتمعات بين نظام المعدن الواحد ونظام المعدنين أحرز شيئًا منها؟ وما موقف الشريعة تحديدًا من أشكال النقود؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات تستلزم معاودة النظر في موضوع (خَلْقية النقدية) في الذهب والفضة، أي كونهما نقدًا بحكم الخِلقة. وينبغي أن نحدد ما نهدفه من مناقشة ذلك، فلا اعتراض على أنهما نقدان شرعيان بإقرار الأحكام وورودها فيهما زكاةً ورِبًا وكنزًا وسَلَمًا، إنما التساؤل هو: هل أن الطبيعة المادية لهما هي السر في نقديتهما، أم أنها مواضعة اجتماعية تاريخية كونهما نقود عهد التشريع، فيشار إليهما من باب حكاية الفعل؟ وهل أن الكفاءة قائمة فيهما خلقة وطبعًا؟
ربما يكون التذكير بالنظام النقدي على عهد التشريع لازمًا لما نحن بصدده، فقد كان النظام النقدي السائد على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - هو نظام المعدنين Bi-metallism الذهب والفضة، وأن المعتبر فيهما هو الوزن، على عرف مكة، لقوله عليه الصلاة والسلام:"الميزان ميزان أهل مكة".
إن نظام المعدنين كما نعلم يفترض حرية واستقرارية صرف أحد المعدنين بالآخر. وقد كان سعر صرف الدينار الذهب بالدراهم الفضة هو 10:1، وهذه النسبة معتبرة في كل الأحكام التي عرفت بالنقد على عهد التشريع وهي نسبة استقرت طيلة هذا العهد إلى الحد الذي أغرى بوصفها بأنها:"سنة ماضية ... على ما كانت في الزمان الأول"كما روي عن الإمام مالك. ولكن الذي حصل أن هذه النسبة لم تدم على ما هي عليه، إذ سرعان ما بدت قيمة الذهب تسمو قياسًا إلى الفضة. ومن الرصد التاريخي لتطور سعر الصرف تبين أن الدينار الواحد الذي كان يصرف بعشرة دراهم على عهد التشريع صار يصرف بـ (15) درهمًا على عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - و (22) درهمًا على عهد الرشيد و (25) درهمًا على عهد القادر. وذكر المقريزي أنه صرف في مصر سنة 497 هـ بـ (34) درهمًا.