الصفحة 16 من 30

ولقد أكد ابن منيع:"أنه لا دليل شرعي ولا تاريخي ولا نظري عن أن الذهب والفضة خُلِقا للثمنية على الرغم من أنهما أكثر من غيرهما إيغالًا في الثمنية". وقد تقدم معنا كلام ابن حزم بنفس المضمون.

على أن المسألة الجوهرية التي تجعلنا نعتقد بأن شكل النقود المطلوب شرعًا لا يتمثل حصرًا بالذهب والفضة -وإن تلبّس بهما تاريخيًّا- هي فقدان السيطرة على قيمة الوحدة النقدية وما يلزم لذلك من إدارة واعية وهادفة لعرض النقد، وهذا كما تقدم مطلب شرعي بكل تأكيد. والمطلب الشرعي لا يمكن أن يوكل إلى الظروف التي تؤثر في إنتاج المعدنين أو الطلب عليهما أو إلى المضاربات الهادفة إلى الاسترباح من احتكارهما.

والخلاصة أنه يتحتم علينا الإقلاع عن تلك النظرة العفوية التي تعامل بها الأقدمون مع نظام المعدنين والتي درج عليها كثير من كتابنا المعاصرين.

إذا كنا قد أفلحنا في التمييز بين وظيفة النقدية وبين الشكل التاريخي للنقود المتمثل بنظام المعدنين، فينبغي أن لا ننسى أن هذا النظام -رغم كل ما قيل عنه- له حسنة كبيرة بارزة تمثلت في وضعه حدودًا كمية صارمة على عرض النقد؛ وهذا ما افتقدناه تمامًا في النظام الورقي الحديث الذي مكّن مؤسستين كبيرتين من الافتئات على الهيئة الاجتماعية هما المصارف التجارية والحكومات.

أما المصارف التجارية فقد كانت تمارس دور المصدر للنقود الورقية حينما كانت هذه في أطوارها الأولى نقودًا مستندية أو نائبة قابلة للتحويل فاستفادت من مركزها بين الجمهور ليس عن طريق الإقراض بربا فحسب، إنما عن طريق إصدار النقود الورقية بحجوم تفوق احتياطاتها الذهبية؛ وهي حقوق على الموجودات الحقيقية، وبذلكأشركت نفسها مع الجمهور في ملكية أصوله.

وحينما انتبه ملوك أوروبا إلى حقيقة الدور الذي تلعبه المصارف التجارية انتزعوا منها وظيفة الإصدار النقدي وحصروها في مصارف الإصدار التي يديرونها. ومن عهدها لم تتورع الحكومات عن الإصدار النقدي طالما أمِنت رقابة الجمهور؛ فقد وجدت فيه بديلًا سهلًا عن الضرائب. فتطفيف حافظة الممول (بتخفيض قيمة النقود عن طريق الإصدار الجديد) أيسر من انتزاع وريقات منها بشكل ضرائب.

وهكذا أصبحت الحكومات تشاطر رعاياها أصولهم الحقيقية ليس بصفتها قيّمة على الموارد العامة وإنما لكونها تملك سلطة الإصدار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت