وهكذا يتضح أن ما نراه بصدد منع المصارف التجارية من توليد نقود الودائع -ولو كانت هذه المصارف إسلامية- لا ينبع مما نلمسه من آثار ضارة ناجمة عن سلوك المصارف التجارية التقليدية غير المنضبطة بأحكام الشريعة الإسلامية فحسب، إنما ينجم عن محاججة تلك الممارسة - أعني توليد النقود - محاججة منطقية في ضوء الأحكام الشرعية ومقاصدها.
ترى إذا لم يكن نظام المعدنين والنظام الورقي يكفل الكفاءة التي تلزم للنقد الشرعي، وإذا لم تكن النقود المصرفية مشروعة أصلًا -وهو محل نزاع- فما السبيل إلى نقد شرعي كفي؟
إن المناقشات السابقة توضح أن الأمر لا يكمن في نظام نقدي معين أو شكل من أشكال النقود محدد، إنما يكمن في إدارة كفية وأمينة لعرض النقد، تتأتى لها وجوه الكفاءة والأمانة من إقامة أحكام الله تعالى في منع الإكتناز والربا، وفي إخضاع الثروات النقدية للزكاة. فهذا يكفل فاعلية الوحدة النقدية، ويمنع خمولها أو تسربها خارج النظام النقدي. كما يمنع الإخلال بوظائفها عن طريق المضاربات التي تتخذ من النقد موضوعًا لها، ثم من مطلب فني مدرك عقلًا ومؤصّل شرعًا يتمثل بتنظيم عرض النقد، بما يكفل ثبات أو استقرارية قيمة الوحدة النقدية عبر الزمن، كشرط للعدل في المعاملات، ولمقاصد شرعية واقتصادية راجحة؛ وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
وهنا أجدني متفقًا تمام الاتفاق مع ما دعى إليه (د. عيسى) من ضرورة إعطاء المصارف المركزية استقلالية وحصانة تشبه استقلالية القضاء وحصانته، حتى يتسنى لها إدارة عرض النقد على النحو الذي يؤمّن استقرارية قيمته. وأستحسن منه توكيده إيجاب ذلك على أولياء الأمور، حتى يتحقق المبدأ الإسلامي:"إن تصرفات الإمام على الرعية منوطة بالمصلحة".
وأحمد الله تعالى أن وفق المهتمين بهذا الموضوع إلى الإجماع على هذه الحقيقة، وهذا ما أدركته من النقاشات الدائرة، سواء حول الإصدار النقدي وتوليد نقود الودائع، أم حول مسألة الربط القياسي للالتزامات المالية، باعتبار ثبات أو استقرارية قيمة الوحدة النقدية هو الحل الجذري الشرعي لمشكلات الاقتصادات المعاصرة.
إن ما تقدم يستلزم التخلي عن تلك النظرة العفوية والموقف السلبي تجاه الحياة الاقتصادية والشؤون النقدية بشكل خاص. كما يستلزم رقابة شرعية تقطع دابر النشاط الربوي، وتمنع استغلال سلطة الإصدار من أجل التمويل الحكومي الميسر. كما تمنع المصارف التجارية من التطفل على الهيئة الاجتماعية وأدائها الحقيقي، بتوليدها لنقود