إن المصرف التجاري حين يولّد نقدًا جديدًا، يكون قد أقرض ما لم يملك، وملَّك نفسه ما ليس له بحق، ثم استربح من تملُّكه للمال المغصوب. ومع كل ما تقدم فإن (د. عفر) لا يرى فيه افتئاتًا على الإمام أو إضرارًا بأحد!! بل هو لم يوافق حتى على مشاركة الدولة في أرباح المصارف التجارية أو على ترتيب أي حقوق مالية لصالح الدولة، من جهة لصغر أرباحها ومن جهة لأن الفقهاء لم يقرروا حقًا ماليًّا على العاملين في هذه الأنشطة؛ فليس لذلك -في رأيه- مسوغ معقول. وأنه لا وجه لقياس أرباح الائتمان على مال الفيء أو أراضي الفتوح، لكنه مع ذلك تسامح مع اقتراح (شابرا) بتخصيص جزء من الودائع لتفيد منها الدولة في مشروعات اجتماعية ... وعلى أن يكون لذلك ضوابط تضمن تحمّل الدولة لنصيبها من التكاليف.
ولا أدري لمَ لم يستمر د. عفر بنفس المنطق حين يعامل البنوك المركزية، إذ يرى أن إصدار النقود القانونية يجب أن لا يكون وسيلة لتحقيق ربح من اختلاف قيمتها الاسمية عن تكلفة إصدارها، وأن المصرف المركزي قد يحقق أرباحًا طائلة في ظل النقد الورقي من جراء التوسع في الإصدار. وهو بذلك يكون ظالمًا من جهة الإفساد وتسببه في تخفيض قيمة النقد، ثم"يكون هذا الربح (الذي يحققه المصرف المركزي) أكلًا لأموال الناس بالباطل، وإخلالًا بالعدل المطلوب من الحاكم بين الناس".
لا أدري حقًا كيف تسامح فضيلته مع المصارف التجارية المغتصبة فيما اغتصبت وفي أرباح غصبها مع أنها مملوكة ملكية خاصة، مع موقفه المبدئي الصحيح تجاه البنك المركزي ووزارة المالية؛ وأقل ما يقال عنهما أنهما يمثلان المجتمع.
إن القول بأن المصارف تضمن استثماراتها، وبالتالي يكون ربحها مبررًا على قاعدة"الخراج بالضمان"والغنُم بالغُرم يكون صحيحًا حين تكون استثمارات هذه المصارف ممولة بطريق مشروع وليس بطريق الإصدار أو التوليد الجديد؛ وهذه مسألة ينبغي الانتباه إليها جيدًا، وحين تكون هذه المصارف"معقمة"تمامًا، فحينئذ لن يتطرق الشك إلى مشروعية استئثارها بأرباحها قطعًا، وسيكون دفاع (د. عفر) عن ذلك حقيقًا بالقبول بلا أدنى تحفظ.
ولقد سيقت حجج أخرى في الدفاع عن أهلية المصارف التجارية لتوليد نقود الودائع يمكن أن تصنف ضمن السياسات الاقتصادية أو حتى الشرعية؛ منها القول بأن وحدات القطاع العام غير كفية ومنها حاجة التنمية إلى التمويل المناسب بأساليب مرنة ..
والذي نقوله أن المطلوب أولًا هو محاكمة منطقية لاستجلاء الحكم الشرعي، وسيكون للنظر في هذه السياسات بعد ذلك سعة.