لكن ما هي يا ترى صورة النقد الذي يؤدي تلك الوظائف ويضع عن المجتمع إصر المقايضة وأغلالها؟
يقول ابن خلدون:"الذهب والفضة قيمة لكل مُتموَّل"، ويقول الغزالي:"خلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين متوسطين بين سائر الأموال". ويقرر ابن رشد عن الإمامين مالك والشافعي تخصيصهما (الذهب والفضة) بأحكام معينة"كونها رؤوسًا للأثمان وقيمًا للمتلفات". أما المقريزي فيغالي جازمًا:"... إن النقود التي تكون أثمانًا للمبيعات وقيمًا للأعمال، إنما هي الذهب والفضة فقط، لا يعلم في خبر صحيح ولا سقيم عن أمة من الأمم ولا طائفة من طوائف البشر أنهم اتخذوا أبدًا في قديم الزمان ولا حديثه نقدًا غيرهما. حتى قيل إن أول من ضرب الدينار هو آدم عليه الصلاة والسلام، وقال لا تصلح المعيشة إلا بهما، رواه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق"!!
وما وكّده المقريزي أنكره ابن حزم مُغلِّظًا:"... ولا ندري من أين وقع الاقتصار بالتثمين على الذهب والفضة، ولا نص في ذلك، ولا قول أحد من أهل الإسلام وهذا خطأ في غاية الفحش"!!.
يتضح مما تقدم، ترشيحًا للذهب والفضة لوظيفة النقدية، بل وأكثر من الترشيح والترجيح، إذ يصل الأمر إلى التقرير الجازم، لدى البعض، بأن الذهب والفضة هما النقد خلقةً، وأن الثمنية (النقدية) هي علة قاصرة عليهما، ولا تتعداهما إلى سواهما. وهو ما ذهب إليه المقريزي من المؤرخين وجمهور الشافعية من الفقهاء. يقول النووي:"... الذهب والفضة جنس الأثمان غالبًا"، ويقول الشيخ زكريا:"إنما يحرم الربا، يقصد ربا الفضل، في نقد أي ذهب وفضة ... بخلاف العروض كفلوس وإن راجت".
وتجمع المدارس الفقهية عمومًا على أن"الذهب والفضة أثمان بالخلقة"وإن كان بين هذه المدارس في تعدية الثمنية إلى غيرهما خلاف وتفصيل كما لاحظنا عند بحثنا للنقود في عصور الاجتهاد.
والآن لنستكمل استشراف الشكل الكفي والمرضي من منظور الفقهاء والمؤرخين، فالذهب والفضة بأي شكل وجدا فهما"نقد خلقي"إلا أن أشكالهما ليست بنفس المستوى من الكفاءة لإنجاز مهام المبادلة. فحينما توجد النقود بشكل مسكوكات Coins معلومة الوزن والنقاء أفضل من أن تكون تِبرًا يضطر المتعاملون إلى الاستعلام عن وزنه ونقاوته. يقول ابن خلدون:"بها، أي بالسكّة، يتميز الخالص من المغشوش بين الناس في النقود عند المعاملات ويتقون سلامتها من الغش بختم السلطان عليها"ويقول