الحاجة في شيء ممثل لكل القيم، ويسهل تَشكُّله بأي منها عند الحاجة. ومثل هذا الشيء لا شك سيقبل به الجميع، وعندئذ ستتحرر عمليات التبادل من قيد البحث عن الطرف الآخر الراغب في المبادلة، الراضي آنيًّا بما يعرضه الطرف الأول. وهذا ولا شك يوسع آفاق التبادل وييسره.
هكذا إذًا، فالنقود وسيط للمبادلة ومقياس لموضوعاتها. وهاتان هما الوظيفتان الرئيستان لها، يزاد عليهما وظيفتان أخريان أولهما خزن القيمة، فالإنسان قد ينتج أو يملك قيمًا تفيض عن حاجته الآنية، لذا فهو يفكر في ادخارها لحين احتياجه إليها، أو لحين احتياجه إلى ما يمكنها إحرازه من السلع الأخرى. ولكن ليست كل القيم المنتجة تقبل الخزن بسهولة وبدون تكاليف، ولأجل ذلك، فلا بد أن يفكر الإنسان بشيء يؤمِّن له ذلك المطلب، ولكن ليس كل ما يستجيب للخزن يلبي رغبة مالكه عند الحاجة إنما هناك شيء في"صورته كأنه ليس بشيء ... وهو في معناه كأنه كل الأشياء ... وهو وسيلة إلى كل غرض ..."وهو ما عرفناه بالنقود، فالنقود؛ ليست مستأمنة على كل القيم من التلف فحسب، إنما هي قادرة على التشكّل بأي صورة يرغبها من يحوزها. إن هذه الخاصية: أي القابلية على التشكّل بموضوعات التبادل المختلفة هي سر السيولة التامة Perfect Liquidity التي تتفوق بها النقود على كل الأصول الحقيقية والمالية الأخرى، وهي التي أوفاها الإمام الغزالي إيضاحًا وتوصيفًا.
أما الوظيفة الأخرى للنقود فهي تسديد الديون، أي كونها وسيلة للدفع الآجل. وهذه الوظيفة إنما تنهض على أساس قبول الناس بالنقود كعوض لما لهم في ذمم الآخرين من حقوق، ولو كان هذا العوض مؤجلًا. إن قبول الناس بالنقود لهذا الغرض إنما يقوم على اعتبار واختبار قدرة النقود في حفظ حقوقهم (خزن القيم) وقابليتها للتحول إلى أي شيء يرغبونه وبلا عناء (السيولة التامة) .
ولأن الشريعة الإسلامية تصون (المال المتقوِّم) لصاحبه، لذا فإنها توجب تعويض المال المتلف بمثله على المتسبب. ولكن قد لا يجد هذا مالًا مماثلًا يعوض المال التالف، لذا يقرر الشرع التعويض بالقيمة، أي بقيمته من النقود. ولأجل ذلك قيل عنها أنها:"أثمان المبيعات وقيم المتلفات". وهذا إنما كان لما في النقود من قابلية على تمكين حائزها من الطيبات التي تعوضه ما فاته بتلف ماله.
هذه بإيجاز هي الوظائف الرئيسة للنقود، وبقدر ما تكون كفية في إنجازها فإنها تحرز ذاتها وتستمد ماهيتها في التنظيم الاقتصادي-الاجتماعي.