الصفحة 3 من 30

آراء الفقهاء التي تؤكد هذه النظرة الأداتية تجاه النقود. يقول ابن رشد:"المقصود منهما (الذهب والفضة) أولًا المعاملة لا الانتفاع"بخلاف العروض التي يقصد منها الانتفاع أولًا لا المعاملة. ويقول ابن عابدين:"واعلم أن كلًا من النقدين (الذهب والفضة) ثمن أبدًا". و"الثمن غير مقصود بل وسيلة إلى المقصود، إذ الانتفاع بالأعيان (السلع) لا بالأثمان ... فبهذا صار الثمن بمنزلة آلات الصناع".

ويقول الإمام الغزالي عن الدنانير والدراهم:"لا غرض في أعيانهما". ويؤكد شيخ الإسلام ابن تيمية هذا المفهوم الأداتي بقوله:"... هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثمانًا (نقودًا) ... والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف كانت". أعتقد أن لا حاجة مع وضوح هذه النقول إلى التعليق، فالنقود كما رآها هؤلاء الأعلام -رحمهم الله تعالى- وسيلة وحسب، وسيلة لها وظائف محددة تؤديها وليس لها قداسة مبهمة أو صنمية مزعومة.

أما بصدد تفصيل وظائف النقود فيقدم لها الإمام الغزالي (450 - 505 هـ) إيضاحًا وافيًا فيقول:"... حتى تقدر بها الأموال، فيقال هذا الجمل يساوي مائة دينار وهذا القدر من الزعفران يساوي مائة دينار، فمن حيث إنهما مساويان شيئًا واحدًا إذا (هما) متساويان وإنما أمكن التعديل بالنقدين ...".

ويقول ابن رشد:"... لمّا عَسُر إدراك التساوي في الأشياء المختلفة الذوات، جُعِل الدينار والدرهم لتقويمها: أعني لتقديرها". ويعرض (ابن تيمية) لذلك بقوله:"... المقصود من الأثمان (النقود) أن تكون معيارًا للأموال، يُتوسّل بها إلى معرفة مقادير الأموال". وإذًا فهي أداة لأغراض التقويم الاجتماعي، وظيفتها الأساسية الأولى هي قياس القيم. ولا شك أن غياب المعادل العام لموضوعات التبادل هو أبرز الدوافع التي جعلت المجتمعات البشرية تتخلى عن نظام المقايضة الغابر.

أما الوظيفة الرئيسة الثانية للنقود فتتمثل في تيسير التبادل من خلال توسطها في عمليات المبادلة وفي هذا يقول (الغزالي) :

"... ولحكمة أخرى هي التوسّل بهما (بالنقدين) إلى سائر الأشياء ... فمن ملكهما فإنه كمن ملك كل شيء، لا كمن ملك ثوبًا، فإنه لم يملك إلا الثوب. فلو احتاج إلى طعام ربما لم يرغب صاحب الطعام في الثوب لأنه (لأن) غرضه في دابة مثلًا. فاحتيج إلى شيء في صورته كأنه ليس شيء وهو في معناه كأنه كل الأشياء ... وهو وسيلة إلى كل غرض".

ترى، أيجد نظام المقايضة نعيًا أبلغ من هذا النعي؟! فتوافق الرغبات زمنًا وموضوعًا لدى كل المشاركين مسألة صعبة، وهي تختزل فرص قيام المبادلة كثيرًا. لذا عَظُمت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت