إن هذا المطلب، أي ثبات قيمة النقود أو استقرارها، ليس مطلبًا تحسينيًّا فيها، إنما هو مطلب شرعي أكيد من الناحية الحقوقية والاقتصادية. فالله سبحانه وتعالى أمر بالعدل، وما من شك أن استقرارية قيمة الوحدة النقدية، شرط للعدل في المعاملات، وهذا -وإن لم يرد به نص توقيفي- فهو أمر مدرك عقلًا، وما لا يتم الواجب (العدل) إلا به فهو واجب. فغياب هذا المطلب في النقود، يخل بجداول الحقوق أو الالتزامات بين الناس. وقد تقدمت الإشارة إلى عدم مشروعية البيع بالوعاء الذي لا ينضبط، فكيف نصحح كيل القيم (البيع والتعاقد وتعريف الالتزامات) بصاع القيمة الذي لا ينضبط عبر الزمن!
فإن ثبات قيمة النقود من الناحية الاقتصادية الصرفة، غاية ما يوصي به المنطق السليم، فاتجاه قيمة النقد نحو الانخفاض يورث التحفظ تجاه عمليات الإقراض والبيع الآجل، ويقوّض إرادة المتبادلين في عقود السلم. وهي صور للتعامل على جانب كبير من الأهمية في أسواق عالمنا المعاصر؛ وفي هذا تقييد لعمليات التبادل بأفق الزمن الجاري فقط، وهو ما لا يريده أحد من الاقتصاديين البتة لاعتبارات اقتصادية صرفة، زيادة على الاعتبارات الحقوقية الأخرى. إذ ستنحسر المعاملات المستقبلية وستزداد مخاطر الإقراض والبيع الآجل بندًا آخر يتعلق بتآكل قيمة النقود.
كما أن اتجاه قيمة النقود إلى الانخفاض، يجعل الأفراد يميلون إلى استهلاك العاجل، ويحجمون عن الادخار؛ لأن النقود ما عادت أمينة على حفظ قِيَمِهم بشكل نقدي. وفي هذا هدر للاستثمارات الاحتمالية، التي كان يمكن أن تتحقق عن طريق الادخار؛ مما يحرم الاقتصاد من عدته الإنتاجية، ويرفع من تكاليف التعامل بالأصول الحقيقية؛ لأنها لا تملك قدرًا من السيولة، كالذي يتاح في النقود. وهذا يلجئ إلى المضاربات الآنية أو قصيرة الأجل، مما يسيء أيما إساءة إلى الاستثمارات الحقيقة، بوأدها أو إجهاضها.
ومما لا شك فيه أن اتجاه قيمة النقود إلى الارتفاع له آثاره الضارة أيضًا. فحقوقيًّا يشغل ذمم المدينين بما ليس فيها، فيحجم الناس عن أي تعامل يمتد عبر الزمن، تلافيًا لاحتمالات زيادة قيمته. وهذا بدوره يضيِّق آفاق المعاملات، كما أن هذا الاتجاه يدفع إلى تفضيل الاكتناز والادخار على حساب الاستهلاك الجاري والاستثمار الحقيقي، فيؤدي إلى نقص في الطلب الكلي، يتزامن مع فيض رؤوس الأموال جراء الادخار، مما يقود إلى أزمة قصور الطلب الكلي عن استيعاب العرض الكلي، فينشأ الكساد والبطالة.
وعليه فثبات قيمة النقد، شرط للتعامل السليم حقوقيًّا، وشرط لتوسيع حجم المعاملات، وضمانة لها عبر الزمن. وهو كذلك شرط لحماية خيارات الفرد في التصرف بما يحوزه من قيم أو دخل، دون ضغوط مؤسسية تشوه هذه الاختيارات؛ سواءً في قراراته