الصفحة 10 من 30

ومن الغريب حقًا أن هذا الموضوع، موضوع صحة التعامل بنقد مضطرب القيمة لم يحظ بجدية تناسب خطورته. لقد قرر الفقهاء عدم جواز البيع بمكيال غير منضبط، جاء في الموسوعة الفقهية:"أما البيع بمكيال غير منضبط، بأن كان يتسع ويضيق فلا يجوز. مع استثناء بيع الماء بالقِرَب، فيجوز استحسانًا لجريان العرف به كما يقول الحنفية". ومع ذلك لم يشر إلا القليل إلى مكيال القيمة وضرورة انضباطه؛ بل سنرى في بحث لاحق موقفًا سلبيًّا لبعض المُحْدَثِين حتى تجاه استدراك تغير قيمة النقود.

إن الوظائف الأخرى للنقد وكفاءة إنجازها تقوم على الحقيقة ذاتها: وجوب كون النقد ثابت القيمة. فلكي تكون النقود وسيطًا كفيًّا في التبادل؛ ينبغي أن لا يقلق من يعطي سلعته ويأخذ النقد، على قيمة النقد الذي في يده، ولا يحس ببخس أو صعوبة حينما ينصرف إلى متبادل آخر فيشتري منه السلعة التي يحتاجها. فهذه الثقة بالنقود، في أنها تحرز الأشياء الأخرى بيسر ودون خسارة، شرط لحسن أدائها. وتبدو المسألة بوضوح أكبر أيضًا حينما يمتد الزمن وتحصل الفجوة بين وقت البيع وبين وقت الشراء اللاحق.

وهنا لا بد أن ينصرف الحديث إلى وظيفة أخرى للنقود هي وظيفة خزن القيمة. فمما لا شك فيه أن النقود تراد لأنها وسيلة إلى موضوعات التبادل الأخرى، وأن الفرد إنما يحتفظ بها لاعتقاده بأنها يمكن أن تتشكل، عندما يريد، في أي سلعة يرغبها. ولأجل ذلك فهو يدّخر أو يخزن القيم التي يحوزها بشكل نقود. ولكي تكون النقود هذه وعاءًا حفيظًا لِما استودع فيها، فينبغي أن تكون ثابتة القيمة. فحينما يبيع الفرد شاة ويحتفظ بثمنها إلى وقت لاحق، فإنه يلزم لهذا الثمن أن يكون قادرًا على شراء مثل هذه الشاة أو ما كان يعادلها في وقت البيع، وبخلاف ذلك فإنه سيفضل استبقاء شاته إلى أن تحين حاجته إلى سلعة أخرى. ولكن إذا كان صاحب الشاة يمكنه تأجيل بيعها لحين الحاجة فإن صياد السمك أو منتج الطماطم لا يستطيع ذلك بسهولة، وسيلجأ هؤلاء إلى النقود لحفظ قيم منتجاتهم، لكن تناقص قيمة النقد يعني أن جهود هؤلاء ستتآكل أيضًا حينما يحفظونها في وعاء نقدي، وهذا خرق فاضح لرسالة النقود ووظائفها.

ولا تتخلف الوظيفة الرابعة للنقود: تسوية الديون، عن توكيدها لضرورة ثبات قيمة النقد. فلكي يرضى الناس بالنقود كبديل لما لهم في ذمم الآخرين من قروض حسنة أو ديون تعامل أو تعويض متلفات، ينبغي أن يكون النقد الذي يحصلون عليه آجلًا، كافيًّا لشراء نظير المال المتلف، أو نظير السلعة التي استلف المدين قيمتها. وهذا يعني أنه لا بد من ثبات قيمة وحدة النقد، وبخلافه سيتنازع الناس ولا بدَّ، ويتظالمون ولا محيص.

والخلاصة: أننا إذا تجاوزنا المتطلبات الفنية المرغوبة عمومًا في النقود فإننا لا نجد خاصية جوهرية ترتبط بكفاءة أدائها لوظائفها، سوى ثبات قيمتها أو استقرارها؛ وذلك يعتمد أساسًا على العلاقة النسبية بين المتداول النقدي والعرض السلعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت