الصفحة 9 من 30

وقد لاحظ د. عيسى وجوب ثبات قيمة النقد من استقرائه للآثار اللامحمودة لتغير القيمة والتي تمثلت فيما عرضه بالآتي:

1 ـ الإضرار بمصلحة المجتمع.

2 ـ الإخلال بقاعدة الملكية الخاصة المصونة في الشريعة.

3 ـ تركّز الثروة المنافي لمقاصد الشريعة.

4 ـ الإضرار بمصلحة أصحاب الدخول الثابتة والملكيات الصغيرة.

5 ـ التأثير سلبيًّا في سلوك الأفراد.

كما أنه علّق على ثبات قيمة النقد، صحة عقدي المضاربة والإجارة وتحقق طبيعة النقد كمقياس، وأشار إلى أن الفقهاء قد استنبطوا أن من الخصائص التي يجب أن تتوافر في النقود، وجوب ثبات قيمتها، فهم"ينادون بنظرية ثبات النقود"، وأحال إلى (د. رفيق المصري) .

والحق أنني لم أقف -رغم ترددي بين الإحالات المرجعية ذات الصلة- على ما يفهم منه استنباط الفقهاء لنظرية ثبات القيمة ومناداتهم بها، اللهم إلا ما أورده ابن القيم وفيه توصية صريحة بذلك. وعدا عن هذا فالإشارات متواترة بكون النقود معيارًا للقيم. لكنَّ أحدًا من الفقهاء -في حدود علمي- لم يتعرض إلى صحة البيع والتعامل بنقد متغير القيمة خلا أبي حنيفة رحمه الله تعالى الذي اعتبر البيع بنقد يكسد بعد إبرام العقد بيعًا باطلًا. وقد لخص ابن عابدين قوله في رسالته تنبيه الرقود كالآتي:".. إذا باع شيئًا بنقد معلوم ثم كسد النقد قبل قبض الثمن، فإنه يفسد البيع ثم (ينظر) إن كان المبيع قائمًا في يد المشتري يجب رده، وإن كان خرج .. فإنه يجب عليه رد مثله .. وإن كان من ذوات القيم .. فإنه تجب (قيمة) المبيع يوم القبض من نقد كان موجودًا وقت البيع لم يكسد. ولو كان مكان البيع إجارة فإنه تبطل الإجارة ويجب على المستأجر أجر المثل هذا كله قول أبي حنيفة"، وذلك لبطلان ثمنية ما اصطلحوا عليه من نقد. وعدا عن ذلك فحتى الفقهاء الذين أجازوا النظر في تغير قيمة النقود لم يصدروا -في حدود ما أعلم- عن حكمٍ شرعي بصدد التعامل المستقبلي بنقد مضطرب القيمة، وإنما اكتفوا بمعالجة آثار هذا الاضطراب. ولأجل ذلك ظل النظر إلى العقود المسماة بالنقود (ولو كانت مضطربة القيمة) مشوبًا بالحذر من قبل جمهور الفقهاء قديمًا، بل وجمهور المهتمين بهذا الموضوع حديثًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت