الصفحة 8 من 30

والأسعار بهذا المعنى هي الحالة الخاصة الأوضح ظهورًا للأسعار النسبية بمعناها الأوسع"كشروط تُعرَض بها البدائل".

وإذًا فالنقود هي المسطرة الميسرة التي بواسطتها يمكن قياس تقدير evaluation أعضاء الهيئة الاجتماعية للسلع المتباينة والمتنوعة. فهي بلغة الإمام الغزالي الوسيلة التي تحدد بها المراتب، مراتب السلع موضوع التبادل. وهي بلغة شيخ الإسلام ابن تيمية المعيار الذي يتوسل به لمعرفة مقادير الأموال (العروض) .

إن المطلوب منطقيًّا في كل مقياس، لكي يحرز طبيعته وجوهره، أن يكون منضبطًا لا يزيد ولا ينقص، فالمتر مثلًا وحدة مجردة لقياس الأطوال لا يشترط فيها طبيعة مادية محددة إنما يشترط فيها كونها (مترًا) في القياس لا أكثر ولا أقل، ويشترط لها أن تستقر على ذلك أبدًا. ومثل ذلك يقال عن وحدات الوزن. فهكذا إذًا وحدة النقد ينبغي أن تكون ثابتة القيمة حتى تستطيع أن تقيس القيم مثلما يشترط للمتر أن يكون ثابت الطول. وطبعًا سيكون من العبث أن نقيس الأطوال بمتر يتقاصر حينًا ويتطاول آخر والعبث هذا يتحقق تمامًا حينما نقيس القيم بوحدات نقد متغيرة القيمة.

وتبدو المشكلة بوضوح حينما تمتد عمليات قياس القيم لآجال مختلفة على شريط الزمن، وحينئذ لا تعود هناك أي إمكانية منطقية لقبول مثل هذا المقياس، لأنه إنما يشير إلى مواقع متغيرة للسلع في التقدير الاجتماعي، كما أنه يُخل بالحقوق أو الالتزامات المتبادلة بين أعضاء الهيئة الاجتماعية، فيطفف ما بذمة البعض لحساب البعض الآخر. وهذا آية التظالم وأكل أموال الناس بالباطل وهو مناف لمنطق العدل الذي تؤكده الشريعة في سائر المعاملات.

وإذًا فالمقياس ينبغي أن يكون ثابتًا إذا أريد أن يكون مقياسًا صادقًا. وبهذا المعنى تأتي توكيدات ابن القيم بالغة الدلالة في وجوب ثبات قيمة النقد كمطلب شرعي ووضعي مُلحّ يقول رحمه الله تعالى:"... فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن (النقود) هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال، فيجب أن يكون محددًا مضبوطًا لا يرتفع ولا ينخفض، إذ لو كان الثمن (النقود) يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن (نقد) نعتبر به المبيعات. وحاجة الناس إلى ثمن (نقد) يعتبرون به المبيعات حاجة ضرورية وعامة ... . وذلك لا يكون إلا بثمن (نقد) تقوَّم به الأشياء ويستمر على حالة واحدة، ولا يقوَّم هو بغيره، إذ يصير سلعة يرتفع وينخفض فتفسد معاملات الناس ويقع الخُلف، ويشتد الضرر ... ولو جعلت ثمنًا واحدًا لا يزداد ولا ينقص ... لصلح أمر الناس ...".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت