الحق أنني حين كتبت هذا البحث بصورته الأولى لم يكن يساورني أدنى شك في عدم مشروعية نقود الودائع، وعليها أنحيت باللائمة في انخفاض قيمة النقد (تأصُّل الميول التضخمية) إلى حد كبير، ولم يكن يَدُر في خلدي أن أحدًا من المعنيين بقضايا الاقتصاد الإسلامي يخالف في ذلك، لكني فوجئت بوجهات نظر معتبرة ألزمتني الحجة في مناقشتها؛ وكان لا بد من مراقبة نشأة النقود المصرفية بشيء من التفصيل على النحو الذي تقدم علّنا نخلص من ذلك إلى تكييف شرعي مناسب.
في عرضه وتقويمه للكتابات حول النقود في اقتصاد إسلامي، لاحظ (د. محمد عبد المنعم عفر) أن المهتمين بقضايا الاقتصاد الإسلامي قد انقسموا بهذا الصدد بين مجيز للمصارف التجارية الإسلامية في توليد نقود الودائع ومانع لذلك، مع اتفاق الفريقين على ضرورة تثبيت قيمة الوحدة النقدية واعتماد السياسات الموصلة إلى ذلك ومنها وجوب التناسب بين نمو عرض النقد والاحتياجات الفعلية للاقتصاد بما يؤمِّن استقرار الأسعار.
ولأنني وضعت نفسي ابتداءً في جانب المانعين من توليد نقود الودائع -ولو كانت من قبل مصارف إسلامية- لذا، فسأعرض لمناقشة حجج القائلين بإجازتها بشيء من التفصيل.
وابتداءً أقول أن طائفة من المجيزين لنقود الودائع، منهم عيسى ومجذوب والزهراني، اشترطوا ملكية الدولة للمصارف التي تولدها، ولا نقاش لي مع هؤلاء لا من ناحية إدارة عرض النقد ولا من ناحية عائدية الإصدار وعائدية أرباحه؛ فالمصرف التجاري حينئذ يكون واحدة من هيئات المصرف المركزي المعنية بالإصدار ليس غير. وإذًا فالمسألة تنحصر في مناقشة آراء المجيزين للمصارف التجارية في توليد نقود الودائع، حينما تكون هذه المصارف مملوكة ملكية خاصة."ويتكون هذا الفريق من عدد كبير من الاقتصاديين المسلمين ... منهم شابرا، وصدّيقي، ومحمد أحمد، ومحمد عزير، وعبد الرحمن يسري، وعلي عبد الرسول، ومحمد عارف، وأحمد النجار، ومجلس الفكر الإسلامي بباكستان، ومحمد أكرم خان، وعفر وخطّاب، والحسني وكوثر الأبجي"، هذا وتجدر الإشارة إلى أن بعض هؤلاء قد قيّد إجازته بإشراف الدولة على إدارة المصارف الخاصة واشترط آخرون عائدية أرباح الإصدار جزئيًّا أو كليًّا للدولة.
والذي يفهم من سياق الكلام أننا لسنا بصدد قدرة المصارف فنيًّا على توليد نقود الودائع إنما بصدد ترجيح اجتهاد شرعي في الإجازة وهو ما صرحت به (د. كوثر الأبجي) إذ رأت أن ذلك عمل"لا يخالف الشريعة الإسلامية"وهو ما تبنّاه (د. عفر) ودافع عنه بشدة كما سيتضح لاحقًا.