الصفحة 6 من 30

الماوردي:"إذا خلص العين (الذهب) والورق (الفضة) من غش، كان هو المعتبر من النقود المستحقة، والمطبوع منها بالسكة السلطانية الموثوق بسلامة طبعها المأمون تبديلها وتلبيسها هي المستحقة، دون نقار الفضة وسبائك الذهب لأنه لا يوثق بهما إلا بالسبك والتصفية والمطبوع موثوق به، لذلك كان هو الثابت في الذمم فيما يطلق من أثمان المبيعات وقيم المتلفات ...".

ولقد لاحظنا عند بحثنا لنقود عصر التشريع، أن ظهور دار السكة، كان شرطًا مؤسسيًّا لازمًا لحركة الإصلاح النقدي الكبرى، على عهد عبد الملك بن مروان. وكان واحدًا من لوازم الاستقلال الاقتصادي، وشرطًا لإنفاذ السياسة الشرعية للدولة الإسلامية؛ إذ تمت (أسلمة) النظام النقدي تمامًا. ومنذ ذلك العهد أصبح الحديث عن النقد، وحق إصداره محصورًا بالدولة، كأحد أبرز وظائفها الاقتصادية. لقد أصّلت وظيفة الدولة هذه جملة من الأحكام، زيادة على المداخلة التاريخية المعروفة، ومن هذه الأحكام: النهي عن كسر النقود فقد"نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس".

وجاء في القرآن الكريم، تعريضًا بقوم شعيب عليه السلام لأنهم كانوا يحذفون الدراهم أي يقطعونها من أطرافها وهذا منقص لوزنها. وقد اعتقد هؤلاء أن ذلك باختيارهم، ولا قوامة للمجتمع ولا للمصلحين فيه على واحدة من أبرز مؤسساته وأكثرها حيوية وخطورة: {قالوا يا شعيب أصلواتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء إنك لأنت الحليم الرشيد} . قال الطبري في تفسيرها:"نهاهم عن قطع الدنانير والدراهم فقالوا مخالفين إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء. إن شئنا قطعناها وإن شئنا حرقناها وإن شئنا طرحناها".

وحكى الشوكاني عن ابن سريج: إن ناسًا"كانوا يقرضون أطراف الدراهم والدنانير بالمقراض ... ويجمعون من تلك القراضة شيئًا كثيرًا بالسبك كما هو معهود بالمملكة الشامية وغيرها، وهذه هي الفعلة التي نهى الله عنها قوم شعيب بقوله: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم} -فقالوا- أتنهانا أن نفعل في أموالنا يعني - الدراهم والدنانير -ما نشاء- من القرض ولم ينتهوا عن ذلك فأخذتهم الصيحة".

وإذا كان المعتبر، من وجهة نظر البعض، في حصر حق سك النقد بالدولة هو سلامة النقد من الغش لذا يقرر الفقهاء كراهة ضرب الدراهم المغشوشة حتى من قبل ولي الأمر للحديث الصحيح:"... من غشنا فليس منا"، وقد تحامل الإمام الحسن رحمه الله تعالى على أولياء الأمور لِما رأى من غش الدراهم فقال:"كان الناس وهم أهل كفر قد عرفوا موضع هذا الدرهم من الناس فجوّدوه وأخلصوه، فلما صار إليكم غششتموه وأفسدتموه. ولقد كان عمر بن الخطاب قال: هممت أن أجعل الدراهم من جلود الإبل فقيل له: إذًا لا بعير، فأمسك".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت