الصفحة 21 من 30

فإذا كان الأمر كذلك، فهل يَسوغ للمصرف التجاري الإسلامي المملوك ملكية خاصة أن يولد النقد؟

إجابتنا الابتدائية بالنفي طبعًا، لأن ذلك من الناحية الإدارية من شأن الإمام حصرًا؛ فهي ولاية سيادية شرعية أو تناط بها مقاصد السياسة الشرعية على نحو محقق. ولا أستطيع قبول ما ذهب إليه د. عفر من أن المصارف المركزية (مصارف الإمام) تأذن لمن تنيبه (المصارف التجارية) بإصدار النقود، ففرق كبير بين أن يسيِّر الإمام السِّكَّة إلى الآفاق وينيب عنه عمال الأقاليم بصفتهم الرسمية لسك النقود دون استئثار منهم بما يسكونه أو بالأصول التي تناظرها، ودون أدنى استرباح من ذلك، وبين القول بأن البنك المركزي ينيب المصرف التجاري الإسلامي في مهمة توليد النقد. ولو فعل ذلك، لم يكن فعله مشروعًا؛ لأنه عهد بما لا يملك إلى من لا يستحق، وتنصَّل عن واجب شرعي موكول إليه.

إن مجرد سك النقود المعدنية المملوكة لأصحابها بنفس شعارات الإسلام وشاراته -ولو كانت خالصة- أمر رفضه الفقهاء، لأن فيه افتئات على الإمام، فكيف بممارسة المصرف التجاري؟ إذ يسك ما لا يملك، ويستأثر بملكيته، ويفتئت على الإمام وعلى الرعية! لقد أثبتت التجربة أن سياسات المصارف التجارية عمومًا تتناقض مع أهداف السياسة الاقتصادية من هذه الناحية بالذات، وأنه لا يسوغ الركون والتعويل على الضابط الأخلاقي -على أهميته- إذ ستكون مهمة إعادة المارد (عرض النقد) إلى القمقم، مهمة صعبة بعد إطلاقه (بإقرار توليد النقد من قبل المصارف التجارية) .

والمسألة ينبغي أن يُنظر إليها من زاوية إدارية وزاوية حقوقية أيضًا. فليس كل إقطاع يقطعه ولي الأمر يعتبر مشروعًا إذا تعلّقت به حقوق الأمة. وإقطاع المصارف التجارية أهلية إصدار النقد أخطر من إقطاع مجرى النهر، وإقطاع الماء العد وطريق العامة وكل هذا ليس لولي الأمر قطعًا.

ثم هل يسوغ أن يستأثر المصرف التجاري الإسلامي المملوك ملكية خاصة بجزء من الناتج أو بجزء من أصول المجتمع لمجرد أنه أضاف فقرات جديدة إلى جداول حساباته؟!

وهل يسوغ أن يملك الربح الناجم عن استخدام أداة المجتمع التي استولدها بطريقة غير مشروعة، لمجرد أنه لا يستخدمها في الإقراض الربوي؟ إنه ربح مال مغتصب أصلًا!!

وتحوّل المصارف الإسلامية إلى المضاربة والمشاركة لا يبرئ ذمتها تجاه المجتمع، ولا يؤهلها للربح من استخدام النقود التي ولدتها، فالأمر يتعلق بالأصل ابتداءً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت