(7) إن الاقتصاديين الإسلاميين مجمعون على ضرورة انضباط المصارف الإسلامية بأهداف السياسة النقدية والاقتصادية، وبالتالي فهي لا تُوَلِّد نقودًا إلا بما يتناسب وحاجة الاقتصاد ويُؤمِّن استقرار قيمة النقود. ومن باب أولى أنها لا تستخدم ودائعها للإقراض الربوي؛ فهذا مخالف لفلسفتها ومبرر وجودها.
(8) إن الأصل في اقتصاد إسلامي أن تتولى الدولة (الإمام أو من ينيبه) إصدار النقود؛ فهي ولاية شرعية سيادية من شأن الإمام، كما تأكد من التقريرات الفقهية والتاريخ الاقتصادي لدولة الإسلام.
(9) إن ولي الأمر لا ينبغي له أن يستربح من هذه الوظيفة السيادية والولاية الشرعية؛ فالاختلاف بين تكلفة إصدار النقد الجديدة وقيمتها (قوتها الشرائية) في محيط التداول ينبغي أن يؤول إلى المجتمع من خلال مرافقه العامة أولًا، وليس له أن يسلك بمؤسسة الإصدار سبيلًا ينأى بها عن الوضع الذي تُؤمَّن فيه استقرار قيمة النقود أو تثبيتها، كمطلب شرعي أكيد ثانيًا.
والآن، فإذا كان ما تقدم مقبولًا وموافقًا للمقاصد الشرعية وللنظر المنطقي، فلنا أن نتساءل عن الفرق بين إصدار النقود القانونية وتوليد نقود الودائع؟
ما الفرق بين أهلية البنك المركزي وأهلية المصارف التجارية الإسلامية لذلك؟
فنقول إن توليد نقود الودائع (النقود المصرفية) :
(أ) يعني فنيًّا تطفيف قيمة النقود المتاحة في محيط التداول، لأنه سيزيد من حجم النقود مقابل حجم الناتج، وقد يُدافع عن ذلك بأن توليد الائتمان سيصاحبه تدفقات سلعية تزيد من حجم الناتج. ولكن هذا - على فرض تحققه - لا يُشترط فيه التزامُن؛ فوسائل الشراء دومًا أسبق إلى محيط التداول من وحدات الناتج، وبالتالي، فالتطفيف قائم لا محالة.
(ب) ويعني تملك المصرف التجاري لجزء من الناتج الاجتماعي والأصول الحقيقية في محيط التداول يتناسب مع مقدار النقد المولد.
(ج) ويعني أن المصرف التجاري -إن استخدم هذه الإصدارات في قروض حسنة- فإنه سيتنازل عن ملكيته الحاضرة الشائعة لصالح المقترض، وسيستعيدها فيما بعد. أما إن استخدمها في مضاربة شرعية أو مشاركة، فيعني أنه سيحصل، ليس على قيمة الأصول التي تناظرها فحسب، إنما على أرباح مشاركتها، في حين يحصل المصرف الربوي على أصل القرض وفائدة مضمونة.