الصفحة 15 من 30

يوفر هذا المطلب الشرعي بشكل آلي، وإن كان عصر التشريع قد تميّز باستقرار نقدي أكيد.

إن ورود الأحكام صراحة بالذهب والفضة من حيث هي مواضعة اجتماعية تاريخية لا يعني أن هذا النظام الميسر عالميًّا على عهد التشريع، هو النظام المختار تكليفًا وتوقيفًا. فقد لاحظنا أن الأنصبة الشرعية قد اضطربت من جراء الاضطرابات في أسعار صرف المعدنين (الذهب والفضة) وما عاد تعريف النصاب بهما يعني شيئًا واحدًا كما كان على عهد التشريع في ظل سعر صرف (10:1) وهو ما أثار مشكلة اجتهادية تعرضنا لها سابقًا.

إن المسألة المتقدمة كما نعتقد لا تعدو أن تكون حكاية فعل فهي تقرير لواقع الحال على عهد التشريع ولا تنطوي على الإلزام به من حيث اعتماد الذهب والفضة للنقدية؛ فقد تعامل المجتمع الإسلامي في فجر الإسلام بالنقود التي كانت سائدة قبل البعثة النبوية الشريفة في الممالك المجاورة، وتعامل بها على عرف قريش الجاري آنذاك (وزنًا) ، كما أنه لم يتعرض حتى لما فيها من نقوش وشارات منافية للمقررات الإسلامية حتى كان ذلك على عهد عبد الملك بن مروان.

ولعل ما يدل على تجرد الموقف المبدئي عن هذه المواضعة التاريخية ذلك الفهم الذي فقهه الخليفة الراشد (عمر بن الخطاب) - رضي الله عنه - إذ اعتزم أن يتخذ الدراهم من جلود الإبل حين كثر الغش فيها. ولم يعارضه معارض بحجة أن الدراهم المتخذة من جلود الإبل ليست نقودًا خلقية إنما حُذِّر من انقراض الإبل فعدل عما اعتزم.

وقد أجرى الإمام مالك الثمنية في الفلوس (النقود المعدنية من غير الذهب والفضة) وقال:"لو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهت أن تباع بالذهب والورق نَظِرة"، وهذه المواقف تؤكد النظرة العرفية في النقود وهو ما أكده ابن الهمام أيضًا تقريرًا عن الفقه الحنفي في أن الفلوس الرائجة عرفًا هي أثمان اصطلاحية وهو ما أكده ابن تيمية بقوله:"إذا صارت الفلوس أثمانًا (عرفًا) صار فيها المعنى ..."وقال أيضًا عن النقود:"هي وسيلة ... والوسيلة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف كانت".

فهذا واضح في دلالته على عرفية النقد فالمسألة إذًا مسألة نقدية الذهب والفضة، ليست أكثر من مواضعة اجتماعية تاريخية تعبر عن حكاية فعل ولا تعبر بالضرورة عن مطلب شرعي توقيفي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت