الصفحة 14 من 30

وقد أدت الصعوبات الناجمة عن قاعدة المعدنين بافتراق أسعار الصرف الفعلية السوقية عن أسعار الصرف القانونية التعريفية إلى تخلي الدول تباعًا عن هذه القاعدة واعتماد قاعدة المعدن الواحد.

وإذا كانت ظروف إنتاج كل معدن تترك أثرها في قيمته النسبية تجاه المعدن الآخر، وكذلك تجاه العرض السلعي فإن استخداماته البديلة (غير النقدية) هي الأخرى تترك أثرها في قيمته. روى المقريزي أن الفضة قد عم استخدامها على عهد الظاهر (برقوق) بمصر لأغراض تَرَفية ومظهرية في بيوت الأمراء وأتباعهم ولأجل ذلك عَزّت بعدما كان يُدفع منها في الدينار الذهب إلى ثلاثين درهما، يقول:"وقلّت الدراهم (الفضة) ... ووجد الذهب بأيدي الناس، بعد أن كان لا يوجد مع كل أحد، ... فمات الظاهر وللناس ثلاث نقود أكثرها الفلوس، ... والثاني الذهب وهو أقل ... ، وأما الفضة فقلّت حتى بطل التعامل بها لعزتها".

ومع التطور التقني المتنامي فإن الاستخدامات الصناعية المتجددة لكل من الذهب والفضة تترك أثرها المؤكد على سعر صرفهما وعلى أسعارهما جملة قياسًا إلى العرض السلعي.

وإذا كان التذبذب في أسعار صرف النقدين المعدنيين قد جاء نتيجة عرضية للتطور الاقتصادي والاجتماعي والتقني فإنه قد يكون نتيجة طبيعية ومقصودة للمضاربات الهادفة إلى الاتجار بالنقد المعدني واحتكاره، فقد تحدث (وليام غاي كار) عن جانب من مناورات المؤسسات المصرفية وامتداداتها لتقويض نقدية الفضة في الولايات المتحدة عندما استصدرت قانونًا سمي قانون إصلاح العملة خلعوا فيها الفضة من وظيفتها النقدية بعد أن أحكموا سيطرتهم على الذهب. ثم لم يمض قرن من الزمان حتى قُوِّض سلطان الذهب أيضًا وخرجت دول العالم تباعًا عن نظام الذهب ودُق الإسفين الأخير في نعش هذا النظام في منتصف آب 1971 بتخلي الولايات المتحدة عن التزامها بصرف الدولار بالذهب، فانهار نظام Bretton Woods وأضحى النظام الورقي خلفًا حتميًّا على نحوٍ شامل.

والذي نستفيده من كل ما تقدم

إن توكيد الكتّاب بأن نظام المعدنين الذي كان سائدًا في عصر التشريع هو النظام النقدي المراد خِلقَة والواجب تكليفًا لم يقم عليه دليل توقيفي قط، ولم يسلم عند النظر المنطقي الذي يجاري الأصول الشرعية ومقاصدها. فقد لاحظنا أن المقصود من النقود هو تيسير التبادل وضبطه وأن وظائفها لكي تنجز بكفاءة فإن ذلك يستدعي ثبات أو استقرارية قيمة النقد، وهذا أمر مدرك عقلًا وهو من لوازم العدل في المعاملات، لكن نظام المعدنين لا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت