ولقد حَقَّقتُ سعر صرف المقادير الشرعية من كلا المعدنين في أيامنا هذه فوجدتها بنسبة (1 دينار ذهب: 163 درهم فضة) تقريبًا، وهذا كما نرى بعيد جدًّا عن النسبة التي اعتبرت في التعديل في أنصبة الزكاة والديات والقطع، ومصدر إرباك في تعريف هذه الأنصبة بالنقود الاصطلاحية كما لاحظنا ذلك عند بحثنا لنقود عصور الاجتهاد.
وفي الحقيقة يمكن أن نرصد عدة عوامل تؤثر في سعري الذهب والفضة جملة وفي سعر صرفهما ببعضهما. ولعل أبرز هذه العوامل يتمثل في:
-تكاليف إنتاج كلا المعدنين وتأثيرها على عرضهما.
-الاستخدامات البديلة لكلا المعدنين وتأثيرها في الطلب عليهما.
-العوامل الإدارية المتعلقة بالسياسات النقدية ودورها في التأثير فيهما.
-العرض السلعي واتجاهات تطوره.
وعلى الجملة فمع افتراض ثبات العرض السلعي فإن قيمة النقود تصبح دالة عكسية لكميتها في محيط التداول على نحو ما تقضي به النظرية الكمية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن قيمة أي من المعدنين ستصبح متغيرًا تابعًا لكل ما يؤثر في علاقته النسبية بالمعدن الآخر.
والحق أن النظرية الكمية بشكلها التقليدي ليست وحدها التي تؤكد طبيعة هذه العلاقة؛ فالنظرية الكمية المحدثة هي الأخرى تؤكد ذلك وتدعمه باستقراءات تاريخية لا يمكن تجاوزها، ولم تتخلف حتى النظرية الكينزية عن تأطير هذه العلاقة، طالما كانت مرونة العرض الإنتاجي محدودة، وطالما كانت هناك تباطؤات واختناقات لا يمكن تجاوزها؛ هذا فضلًا عن الحالة الكلاسيكية، أي عندما يكون الاقتصاد بمستوى التشغيل الكامل.
ولا ينبغي أن يرد هنا القول بأن هذا التحليل ينصرف إلى اقتصادات غير إسلامية، فالعلاقة النسبية بين النقد/الناتج (أي بين كمية النقد وقيمته) تبقى علاقة فنية رغم كل ما يقال عن المضامين السلوكية التي تقترن بالأحكام الشرعية في اقتصاد إسلامي. وإذا كان عصر التشريع لم يذكر لنا واقعة اضطربت فيها العلاقة بين المعدنين النقدين فإن ذلك لا يعني أن التاريخ الاقتصادي سيبرأ من هذه المعضلة، فقد لاحظنا ذلك في التاريخ الاقتصادي للدولة الإسلامية من رصد اتجاه سعر صرف المعدنين النقدين ببعضهما، كما لوحظ ذلك في التاريخ الاقتصادي المعاصر، فقد أدى اكتشاف مناجم الذهب في كاليفورنيا وأستراليا إلى هبوط في قيمته تجاه الفضة منذ عام 1850 حتى عام 1871 حيث اكتشفت مناجم (نيفادا) للفضة فأدى ذلك إلى هبوط قيمتها تجاه الذهب.