الصفحة 23 من 159

الشافعية، أو هو الحكم الصادر عن القاضي؟ وهو ما يفهم من بقية الأقوال، وهل يختص بالفصل بين الخصوم فقط، أو يدخل فيه بعض الحقوق العامة للمسلمين؟ وهذا بحسب ما جرى عليه الأمر في كل عصر ومصر، فقد قال ابن خلدون:"إلا أن القاضي إنما كان له في عصر الخلفاء الفصل بين الخصوم فقط، ثم دفع لهم بعد ذلك أمور أخرى على التدريج، بحسب اشتغال الخلفاء والملوك بالسياسة الكبرى، واستقر منصب القضاء آخر الأمر على أنه يجمع مع الفصل بين الخصوم استيفاء بعض الحقوق العامة للمسلمين، بالنظر في أموال المحجور عليهم من المجانين واليتامى والمفلسين وأهل السفه، وفي وصايا المسلمين وأوقافهم وتزويج الأيامى عند فقد الأولياء على رأي من رآه، والنظر في مصالح الطرقات والأبنية وتصفح الشهود والأمناء والنواب، واستيفاء العلم والخبرة فيهم بالعدالة والجرح ليحصل له الوثوق بهم، وصارت هذه كلها من تعلقات وظيفته وتوابع ولايته ... وذلك أوسع من نظر القاضي" [1] .

والذي أحسبه أن الأصل في القضاء أن يكون الفصل بين الخصوم، سواء كان المراد به في كتب الفقه منصب القضاء أو الحكم نفسه، وأما الزيادة فيما يدخل تحت نظره على ذلك فلا يقتضي فيما أحسب دخوله في أصل عمل القاضي، وإنما هو من باب النيابة عمن عليه القيام بذلك، والله تعالى أعلم.

حكم القضاء: القول في حكم القضاء ينظر فيه من جهتين: من جهة تولية القاضي، ومن جهة قبول القاضي بذلك.

فأما تولية القاضي فهو فرض عين على الإمام إن لم يتولَ ذلك بنفسه أو لم يكن أهلًا لذلك [2] .

(1) مقدمة ابن خلدون ص (221 - 222) ، وقد ذكر في ص (225) وظائف أخرى نشأت لخدمة وظيفة القضاء.

(2) انظر بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكاساني (7/ 2) ، منح الجليل شرح مختصر خليل لعليش (8/ 257) ، ومغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج للخطيب الشربيني (6/ 257) ، وتبصرة ابن فرحون (1/ 12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت