وقد أطلق ابن حبان القول في توهين حفظه في موضع آخر فقال:"وكان يهم في الأحايين إذا حدث من غير كتابه" [1] .
وهذا الإطلاق في توهين حفظ شريك عليه بعض أهل العلم بل يفهم من أقاويل أكثرهم [2] ، وقد قال عبد الجبار بن محمد الخطابي:"قلت ليحيى بن سعيد: يقولون إنما خلط شريك بآخرة؟ فقال: ما زال مخلطًا" [3] .
وقال علي بن المديني:"كان يحيى بن سعيد حمل عن شريك قديمًا، وكان لا يحدث عنه وكان ربما ذكرها على التعجب فكان بعضهم يحملها عنه" [4] .
ولذلك لم يخرج له البخاري إلا تعليقًا ولا مسلم إلا متابعةً [5] ، وليس فيما رواه مسلم من حديثه شيء من طريق من ذكر أنه أصح سماعًا عنه من غيره [6] ، ولو كان الشيخان يريان من حديثه شيئًا على رسم الصحيح في حال دون حال لاحتجا بما يصح من ذلك.
والذي أظنه أن قول من ذكر بأن شريكًا ساء حفظه بعد توليه القضاء إنما ألجأه إلى ذلك مكانة شريك وعلمه وإمامته، فجاء قول ذلك القائل تبريرًا لما يرى من كثرة أخطاء شريك، ولذلك لم نجد أحدًا من النقاد يصحح لشريك ما تفرد به، بناءً على أنه رواه قبل توليه القضاء [7] ، والله تعالى أعلم.
(1) مشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص (170) .
(2) انظر تهذيب التهذيب (2/ 164 - 165) .
(3) انظر الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (4/ 366) .
(4) انظر تاريخ بغداد (9/ 284) .
(5) انظر الكاشف للذهبي رقم (2276) .
(6) انظر صحيح مسلم ح (457، 1358، 1463، 1550، 2231، 2256، 2548) .
(7) بل لم نجد من النقاد من احتج بما تفرد به شريك لكونه رواه من كتابه، مما يدل على أن الضعف في شريك لا يتعلق بالحفظ فقط، بل قد ضعف النقاد أحاديث رويت عن شريك من طريق بعض من قيل إنهم كتبوا عن شريك من كتابه، انظر علل الترمذي الكبير ص (188) ، وسنن الدارقطني (1/ 345) ، وذكر الخطيب في الجامع لأخلاق الرواي وآداب السامع (1/ 224) أن يزيد بن هارون ـ وهو ممن قيل إنهم أصح سماعًا عن شريك من غيرهم ـ حديثًا عن شريك فقال رجل يا أبا خالد إنا نأتيك من مواضع بعيدة فحدثنا عن غير شريك، فقال يزيد: سمعت هذا الحديث من شريك منذ ستين سنة، فعلق الخطيب على ذلك بقوله:"وإن كان يزيد قد أخبر عن تقدم سماعه هذا الحديث فان شريكًا ليس من قدماء شيوخه ولا أثباتهم".