فَبِالْحَرَى [1] أَنْ يَنْقَلِبَ مِنْهُ كَفَافًا [2] فَمَا أَرْجُو بَعْدَ ذَلِكَ وَفِي الْحَدِيثِ قِصَّةٌ"، رواه الترمذي [3] ."
(1) الحرى بفتحتين وألف مقصورة الجدير ومنه بالحرى أن يكون كذا وكذا أي جدير وخليق انظر القاموس المحيط مادة (الحارية) والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (1/ 375) واسان العرب لابن منظور (14/ 173) .
(2) الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء ويكون بقدر الحاجة إليه وقيل المعنى أي مكفوفًا عنه شر القضاء وقيل معناه ألا ينال من القضاء ولا ينال القضاء منه انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (4/ 191) .
(3) أخرجه الترمذي ح (1322) عن محمد بن عبد الأعلى وقال الترمذي:"حديث غريب وليس إسناده عندي بمتصل"، وأخرجه أبو يعلى في مسنده (10/ 93) عن شيبان كلاهما (محمد بن عبد الأعلى وشيبان) عن المعتمر بن سليمان عن عبد الملك بن أبي جميلة عن عبد الله ابن موهب به، وأخرجه ابن حبان (10/ 440) ، والطبراني في الكبير (12/ 351) ، والأوسط ح (2750) ، والضياء في المختارة (1/ 500) عن أمية بن بسطام عن المعتمر به، إلا أن بعض الرواة عن أمية قال عبد الله بن وهب بدل عبد الله بن موهب.
وقد اختلف الأئمة في تعيينه، فذكر البخاري كما في العلل الكبير للترمذي ص (198) ، والتاريخ الكبير (5/ 409) ، وأبو حاتم الرازي كما في علل ابنه (1/ 468) أنه ابن موهب، وذكر ابن حبان في صحيحه (11/ 441) ، وكتاب الثقات له (7/ 103) والطبراني في المعجم الكبير (12/ 351) أنه عبد الله بن وهب بن زمعة بن الأسود، وذكر الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير (4/ 185) قول ابن حبان هذا، ووهَّمَه فيه اعتمادًا على قولي البخاري وأبي حاتم، ويترتب على هذا الخلاف المذكور الاختلاف في اتصال الحديث وانقطاعه لأن عبد الله بن موهب شامي كان قاضي فلسطين كما في تهذيب الكمال (16/ 191) ، وروايته عن ابن عمر منقطعة، لأن ابن عمر كان في المدينة وابن موهب كان في الشام، ومن باب الأولى أن تكون روايته عن عثمان منقطعة، ولذلك ذكر البخاري كما جاء في علل الترمذي الكبير ص (198) وأبو حاتم كما نقل عنه ابنه في علله (1/ 468) والترمذي في جامعه تحت الحديث المذكور أن هذا الحديث غير متصل.
وأما عبد الله بن وهب فقرشيٌّ من أهل المدينة قاله ابن حبان في صحيحه (11/ 441) ، وظاهر روايته عن ابن عمر الاتصال لأن ابن وهب مدني وكذلك ابن عمر، وقد روى ابن وهب عمن هو أكبر من ابن عمر أعني أم سلمة كما في تهذيب الكمال (16/ 274) ، ورواية عبد الله بن وهب عن أم سلمة ثابتة لكثرة من روى ذلك عنه في كتب السنة، وقد عاش ابن عمر بعدها، فقد توفي ابن عمر سنة ثلاث وسبعين كما في التقريب رقم (3490) ، بينما توفيت أم سلمة سنة اثنتين وستين كما في التقريب رقم (8694) ، ولذلك أخرج ابن حبان هذا الحديث في صحيحه.
والذي يظهر لي أن الرواية الصحيحة في هذا الحديث رواية من قال عن عبد الله بن موهب لما يلي:
1 -... أن الرواة الذين قالوا عن عبد الله بن موهب أكثر عددًا.
2 -... أن عبد الملك بن أبي جميلة مجهول كما في التقريب رقم (4172) وقد روى عن أبي بكر بن بشير بن كعب وسمع منه كما في التاريخ الكبير (5/ 409) ، وأبو بكر بن بشير قد روى عنه أيضًا أبو سنان عيسى بنُ سنان الحنفي كما في المعجم الكبير (22/ 69) ، ولم أجد لأبي بكر بن بشير غير هذين الراويين، وهذا يعني أنه غير مشهور، وأبو سنان الراوي عن أبي بكر هذا فلسطيني، وهذا يعني أن أبا بكر بن بشير فلسطيني أيضًا، لأنه من المستبعد أن يروي عنه فلسطيني ويكون هو من غير أهل بلده ولا يعرفه أحدٌ، لا سيما وأبو بكر بن بشير يروي عن واثلة بن الأسقع كما في المعجم الكبير (22/ 69) ، وقد ذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى له (7/ 407) أن واثلة كان من أهل الصفة فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى الشام، كما ذكر أنه كان ينزل بيت المقدس، وهذا يؤيد أن أبا بكر بن بشير من أهل فلسطين، وعليه فمن المستبعد أن يروي عبد الملك بن أبي جميلة وهو مجهول كما مر عن فلسطيني ـ أعني أبا بكر بن بشير ـ ولا يكون هذا المجهول فلسطينيًا أيضًا، وعليه فإن الاحتمال الأقرب أن شيخ هذا المجهول في هذا الحديث الذي معنا فلسطيني أيضًا كما كان شيخه الآخر في الحديث الآخر فلسطينيًا، والله تعالى أعلم.
3 -... أن أبا سنان عيسى بن سنان قد روى هذا الحديث نفسه عن يزيد بن عبد الله بن موهب:"أن عثمان بن عفان قال لابن عمر"وذكر نحوه، أخرجه أحمد (1/ 66) وغيره من طريق حماد بن سلمة عن أبي سنان به، وهذا يكاد يكون فاصلًا في الأمر، لأن رواية يزيد بن عبد الله بن موهب تدل على أن الحديث لأهل فلسطين، وقد يكون يزيد تلقاه من والده، والله تعالى أعلم.