(17) عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ نَاسًا اجْتَوَوْا [1] فِي الْمَدِينَةِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَلْحَقُوا بِرَاعِيهِ يَعْنِي الْإِبِلَ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَلَحِقُوا بِرَاعِيهِ فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا حَتَّى صَلَحَتْ أَبْدَانُهُمْ فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِمْ فَجِيءَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ"رواه الجماعة [2] ."
حديث صحيح
هذا الحديث استدل به ابن حزم على جواز القضاء على الغائب [3] ، ولم أجد هذا الاستدلال لغيره، وهو استدلال ضعيف فيما أحسب، لأن تصرف النبي صلى الله عليه وسلم معهم كان تصرفًا بمقتضى الإمامة لا بمقتضى القضاء، والتصرف بمقتضى الإمامة لا يجوز الإقدام عليه إلا بإذن إمام الوقت، لأن الإمام هو الذي فوضت إليه السياسة العامة في الخلائق من جلب المصالح، ودرء المفاسد، وقمع الجناة، وقتل البغاة، وتوطين العباد في البلاد [4] ، وهؤلاء كانوا محاربين لله ولرسوله، فلا يتصور في مثلهم حكم بمقتضى القضاء، على أن اعتباره صلى الله عليه وسلم قد حكم عليهم غيابيًا لا سبيل إلى إثباته، لأنه صلى الله عليه وسلم إنما قتلهم بعد الإتيان بهم، وليس ثمة دليل على أن محاكمتهم قد تمت قبل ذلك، والله تعالى أعلم.
(1) قال النووي في المنهاج في شرح صحيح مسلم بن الحجاج (2/ 131) :"معناه كرهوا المقام بها لضجر ونوع من سقم قال أبو عبيد والجوهرى وغيرهما اجتويت البلد اذا كرهت المقام به وإن كنت في نعمة قال الخطابى وأصله من الجوى وهو داء يصيب الجوف".
(2) أخرجه أحمد (3/ 107، 161، 163، 170، 177، 186، 198، 205، 233، 287، 290) ، والبخاري ح (233، 1501، 3018، 4192، 4193، 4610، 5685، 5686، 5727، 6802، 6803، 6804، 6805، 6899) ، ومسلم ح (1671) ، وأبو داود ح (4364، 4365، 4366، 4367، 4368) ، والترمذي ح (72، 73، 1845، 20،42) ، والنسائي (1/ 158، 160، 7/ 93، 94، 95، 96، 97، 98، 100) وابن ماجه ح (2578، 3503) ، وغيرهم من أوجه عن أنس به.
(3) انظر المحلى (9/ 369) .
(4) انظر الأحكام للقرافي ص (105، 108) .